ورام بن أبي فراس المالكي الاشتري
100
تنبيه الخواطر ونزهة النواظر ( مجموعة ورام )
المعصية في زمان دون زمان بل ينبغي أن يكون كذلك على الدوام وفي جمله العمر وكلما كان العمر أطول كانت الفضيلة أرسخ وأكمل ولذلك لما سئل صلّى الله عليه وآله وسلّم عن السعادة فقال طول العمر في طاعة الله ولذلك كره الأنبياء والأوصياء والصالحون الموت فإن الدنيا مزرعة الآخرة وكلما كانت العبادات أكثر بطول العمر كان الثواب أجزل والنفس أزكى وأنمى مقصود العبادات تأكد تأثيرها فإنما تأثيرها بكثرة المواظبة على العبادات وغاية هذه الأخلاق أن ينقلع عن النفس حب الدنيا ويترسخ فيها حب الآخرة فلا يكون شيء أحب إليه من لقاء الله فلا يستعمل جميع ماله وآلاته إلا على الوجه الذي يوصله إلى رضاه ويحب أن يوطن نفسه على ألم العبادة ومضضها حتى يصير ذلك له خلقا وسجية ويكون عنده أثر من النوم والراحة لما يعلم ويتحقق عنده من جنى ثمرة ذلك فإن المقامر يجد للقمار لذة مع سلبه ماله وتركه مفلسا ومع هذا فهو يحبه ويلتذ به وذلك لطول إلفه له ورده نفسه إليه وكذلك اللاعب بالحمام يقف طول نهاره في الشمس قائما على رجليه وهو لا يحس بألمه لفرحه بالطيور وحركاتها وطيرانها بل يرى العيار الفاجر يفتخر بما يلقاه من أليم الضرب والقطع على السياط وعلى أن يتقدم به إلى الصلب وهو مع ذلك متبجح ويقويه في الصبر أن يرى ذلك فخرا لنفسه حتى يقطع الواحد منهم إربا إربا على أن يقر بما تعاطاه أو تعاطى غيره فيصبر على ذلك ولا يبالي بالعقوبات فرحا بما يعتقده رجله وشجاعة فقد صارت أحواله مع ما فيه من النكال قرة عينه وسبب افتخاره على أهل صناعته حتى يخرج من الحجامين والكناسين التفاخر والمباهاة كما يجري بين الملوك والعلماء وكل ذلك نتيجة العادة والمواظبة على نمط واحد على الدوام مدة مديدة فإذا كانت النفس بالعادة تستلذ الباطل وتميل إلى القبائح فكيف لا تستلذ الحق لو ردت إليه مدة مديدة وألزمت المواظبة عليه بل ميل النفس إلى هذه الأمور الشنيعة خارج عن الطبع يضاهي الميل الطبيعي كالميل إلى أكل الطين وقد يغلب على بعض الناس بالعادة فأما ميله إلى الحكمة وحب الله تعالى ومعرفته وعبادته ومعرفة نبيه والأئمة عليهم السّلام فهو كالميل إلى الطعام والشراب فهو يقتضي طبع القلب