العلامة الحلي
مقدّمة التحقيق 10
تلخيص المرام في معرفة الأحكام
رضى الله الخالق القدير ، ولإخراج الإنسان من ظلمات الجهل والانحطاط والتردّي إلى واقعه الكريم ، ولكي لا يكون ضحيّة غرائزه البهيميّة ، ولذا فإنّ العلم يقف حارسا على ملكات الإنسان الكريمة ، ليهذّبها ، ويطلقها وفقا لأعراف الله ودينه الحنيف . إنّ مدرسة التشيّع شجرة نبتت جذورها في دار النبوّة ، وتفرّعت أغصانها باسقات من بيوت أئمّة أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيرا ، فرواؤها سلسبيل النبوّة والإمامة ، وثمرها خير الدارين . فمنّ الله سبحانه على من تاقت نفسه إلى أطائب الثمر ، فأقتطف من تلك الشجرة ما استطاع حسب استعداده ، فتشعشع نورا يبدّد ظلام الجهل . فمن هؤلاء الشيخ الصدوق رحمه الله ، الذي صنّف الكثير من كتب الفقه والحديث ، ثمّ توسّعت الحركة الفكريّة بما يلائم حركة الإنسان وحاجته على يد الشيخ المفيد رحمه الله الذي كان مدرسة حقّة من مدارس التشريع الإسلامي في القرن الرابع الهجري ، والذي ترك أثره على العلوم الإسلاميّة إلى أمد بعيد . امتدّ الزمن ليجلب معه آفاق التطوّر في البحث والتحقيق والتدوين في مختلف العلوم ، فكان لعلماء الإسلام النصيب الأكبر والسهم الأوفر من ذلك ، حتّى وصل الأمر إلى العلَّامة الحلَّي ، الذي كان أنموذجا فريدا في العلم ، فهو الذي أعاد إسراج أقباس الفقه ، وأنار مشكاة العلم ، ونال الاجتهاد في سنّ مبكَّر من عمره ، فضلا عن أنّه أوّل من أخذ بأقسام الحديث : من مرسل ، وضعيف ، وقويّ ، وموثّق . وقد كان علما لا معا في مختلف العلوم ، فقد كتب في الفقه ، والمنطق ، والفلسفة ، والحديث ، والرجال ، وغيرها من العلوم فلقّب ب ( العلَّامة على الإطلاق ) . الأمر الذي أكَّد طول باعه في مواكبة تطوّر الحياة وحلّ المشاكل المستجدّة من أمور الدين والدنيا ، إذ لا بدّ من الرجوع إلى مظانّ العلم لاستخراج الأدلَّة الشرعيّة التي تناسب واقع الحياة ، اعتمادا على شحذ العقول ، للوصول إلى لباب المفاهيم التشريعيّة من الكتاب والسنّة ، ولقد كان الرعيل الأوّل من أهل العلم قد بالغ في الجهد لاستكشاف معالم التشريع لمسايرة الحياة والإحاطة بتداخلاتها من خلال البحث والتأليف والردّ والتصنيف ، ولا يزال أهل الفضل من العلماء يركبون نجائب المعرفة ، ويشقّون عباب بحار العلم من أجل خدمة دين المصطفى الأكرم صلى الله عليه وآله وسلَّم وخدمة الأمّة الإسلاميّة . ومن هنا ، فأهل العلم هم الباحثون عن طرق النجاة وأهل الدلالة عن مواطن الحقّ . ولله الحمد وحده على إكمال الدين وإتمام النعمة ، وصلَّى الله على سيّدنا محمّد وآله الطيّبين الطاهرين .