الشريف الرضي
301
تلخيص البيان في مجازات القرآن
كما يقال : قد أحيا البشر . ولا يقال : أنشر اللَّه النبات ، كما يقال : أنشر الأموات . وإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ لأَبِيه وقَوْمِه إِنَّنِي بَراءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ ( 26 ) إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّه سَيَهْدِينِ ( 27 ) وجَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً فِي عَقِبِه لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ( 28 ) وقوله سبحانه : * ( وجَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً فِي عَقِبِه لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ) * [ 28 ] وهذه استعارة . لأن الكلام الذي هو الأصوات المقطَّعة ، والحروف المنظومة ، لا يجوز عليه البقاء . وإنما المراد - واللَّه أعلم - أن إبراهيم عليه السلام جعل الكلمة التي قالها لأبيه وقومه وهى قوله : * ( إِنَّنِي بَراءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ ، إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّه سَيَهْدِينِ ) * [ 26 ، 27 ] باقية في عقبه ، بأن وصّى بها ولده ، وأمرهم أن يتواصوا بها ما تناقلتهم الأصلاب ، وتناسختهم الأدوار . وهذه الكلمة هي « 1 » كلمة الإخلاص والتوحيد . واللَّه أعلم . وسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنا أَجَعَلْنا مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ ( 45 ) وقوله سبحانه : * ( وسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنا أَجَعَلْنا مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ ) * [ 45 ] وهذا الكلام أيضا داخل في قبيل الاستعارة . لأن مسألة الرسل الذين درجت قرونهم وخلت أزمانهم غير ممكنة . وإنما المراد - واللَّه أعلم - واسأل أصحاب من أرسلنا من قبلك من رسلنا ، أو استعلم ما في كتبهم ، وتعرّف حقائق سننهم . وذلك على مثال : * ( وسْئَلِ الْقَرْيَةَ ) * « 2 » . وقال بعضهم : مسألة الرسل هاهنا بمعنى المسألة عنهم ، عليهم السلام ، وعمّا أتوا به من شريعة ، وأقاموه من عماد سنّة . وقد يأتي في كلامهم : اسأل كذا . أي اطلبه ، واسأل عنه . قال سبحانه : * ( وأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كانَ مَسْؤُولاً ) * « 3 » أي مسؤولا عنه .
--> ( 1 ) في الأصل « وهى » والواو زائدة من الناسخ . ( 2 ) سورة يوسف . الآية رقم 82 . ( 3 ) سورة الإسراء . الآية رقم 34 .