السيد هاشم البحراني

81

البرهان في تفسير القرآن

وعدني أن أفتح مكة وأطوف وأسعى وأحلق مع المحلقين ؟ فلما أكثروا عليه قال لهم : فإن لم تقبلوا الصلح فحاربوهم ، فمروا نحو قريش وهم مستعدون للحرب ، وحملوا عليهم ، فانهزم أصحاب رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) هزيمة قبيحة ، ومروا برسول الله ( صلى الله عليه وآله ) فتبسم رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، ثم قال : يا علي ، خذ السيف واستقبل قريشا . فأخذ أمير المؤمنين ( عليه السلام ) سيفه وحمل على قريش فلما نظروا إلى أمير المؤمنين ( عليه السلام ) تراجعوا ، وقالوا : يا علي ، بدا لمحمد فيما أعطانا ؟ فقال : لا ، وتراجع أصحاب رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) مستحيين ، وأقبلوا يعتذرون إلى رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، فقال لهم رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : ألستم أصحابي يوم بدر ، إذ أنزل الله فيكم : إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ ) * « 1 » ؟ ألستم أصحابي يوم أحد : إِذْ تُصْعِدُونَ ولا تَلْوُونَ عَلى أَحَدٍ والرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْراكُمْ ) * « 2 » ؟ ألستم أصحابي يوم كذا [ ألستم أصحابي يوم كذا ] ؟ فاعتذروا إلى رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) وندموا على ما كان منهم ، وقالوا : الله أعلم ورسوله ، فاصنع ما بدا لك . ورجع حفص بن الأحنف وسهيل بن عمرو إلى رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، فقالا : يا محمد ، قد أجابت قريش إلى ما اشترطت [ عليهم ] من إظهار الإسلام ، وأن لا يكره أحد على دينه . فدعا رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) بالمكتب « 3 » ، ودعا أمير المؤمنين ( عليه السلام ) وقال له : اكتب ، فكتب أمير المؤمنين ( عليه السلام ) : بسم الله الرحمن الرحيم . فقال سهيل ابن عمرو : لا نعرف الرحمن ، اكتب كما كان يكتب آباؤك : باسمك اللهم . فقال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) اكتب : باسمك اللهم ، فإنه اسم من أسماء الله ، ثم كتب : هذا ما تقاضى عليه محمد رسول الله والملأ من قريش . فقال سهيل ابن عمرو : لو علمنا أنك رسول الله ما حاربناك ، اكتب : هذا ما تقاضا عليه محمد بن عبد الله ، أتأنف من نسبك ، يا محمد ؟ فقال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : أنا رسول الله ، وإن لم تقروا . ثم قال : امح - يا علي - واكتب : محمد بن عبد الله . فقال أمير المؤمنين ( عليه السلام ) : ما أمحو اسمك من النبوة أبدا ، فمحاه رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) بيده ، ثم كتب : هذا ما اصطلح عليه محمد بن عبد الله والملأ من قريش ، وسهيل بن عمرو ، واصطلحوا على وضع الحرب بينهم عشر سنين ، على أن يكف بعضنا عن بعض ، وعلى أنه لا إسلال ولا إغلال ، وأن بيننا وبينهم عيبة مكفوفة ، وأنه من أحب أن يدخل في عهد محمد وعقده فعل ، وأن من أحب أن يدخل في عهد قريش وعقدها فعل ، وأنه من أتى من قريش إلى أصحاب محمد بغير إذن وليه يرده إليه ، وأنه من أتى قريشا من أصحاب محمد لم يردوه إليه ، وأن يكون الإسلام ظاهرا بمكة ، لا يكره أحد على دينه ، ولا يؤذى ولا يعير ، وأن محمدا يرجع عنهم عامة هذا وأصحابه ، ثم يدخل علينا في العام القابل مكة ، فيقيم فيها ثلاثة أيام ، ولا يدخل علينا بسلاح إلا سلاح المسافر ، السيوف في القرب ، وكتب علي بن أبي طالب ، وشهد على الكتاب المهاجرون والأنصار . ثم قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : يا علي ، إنك أبيت أن تمحو اسمي من النبوة ، فوالذي بعثني بالحق نبيا ،

--> ( 1 ) الأنفال 8 : 9 . ( 2 ) آل عمران 3 : 153 . ( 3 ) المكتب : قطعة من الأثاث يجلس عليها للكتابة .