السيد هاشم البحراني
654
البرهان في تفسير القرآن
قال : « جاء جبرئيل ، فأقرأني * ( وجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ ) * . فقلت : وكيف يجاء بها ؟ قال : يؤمر بجهنم فتقاد بسبعين ألف زمام ، لكل زمام سبعون ألف ملك ، في يد كل ملك مقرعة من حديد ، فيقودونها بأزمتها وسلاسلها ، ولها قوائم غلاظ شداد ، كل قائمة مسيرة ألف سنة من سنين الدنيا ، ولها ثلاثون ألف رأس ، في كل رأس ثلاثون ألف فم ، في كل فم ثلاثون ألف ناب ، كل ناب مثل جبل أحد ثلاثون ألف مرة ، كل فم له شفتان ، كل واحدة مثل أطباق الدنيا ، في كل شفة سلسلة يقودها سبعون ألف ملك ، كل ملك لو أمره الله أن يلتقم الدنيا كلها والسماوات كلها « 1 » وما فيهن وما بينهن ، لهان ذلك عليه . فعند ذلك تفزع جهنم وتجزع وتقاد على خوف ، كل ذلك خوفا من الله تعالى ، ثم تقول : أقسمت عليكم يا ملائكة ربي ، هل تدرون ما يريد الله أن يفعل بي ، وهل أذنبت ذنبا حتى استوجبت منه العذاب ؟ فيقولون كلهم : لا علم لنا يا جهنم . قال : فتقف وتشهق وتعلق وتضطرب ، وتشرد شردة لو تركت لأحرقت الجمع ، كل ذلك خوفا وفزعا من الله تعالى ، فيأتي النداء من قبل الله تعالى : مهلا مهلا يا جهنم ، لا بأس عليك ، ما خلقتك لشيء أعذبك به ، ولكني خلقتك عذابا ونقمة على من جحدني ، وأكل رزقي ، وعبد غيري ، وأنكر نعمتي ، واتخذ إلها من دوني . فتقول : يا سيدي ، أتأذن لي في السجود [ والثناء عليك ] ؟ فيقول الله : افعلي يا جهنم ، فتسجد لله رب العالمين ، ثم ترفع رأسها بالتسبيح والثناء لله رب العالمين » . قال ابن عباس ( رضي الله عنه ) : لو سمع أحد من سكان السماوات والأرضين زفرة من زفراتها لصعقوا وماتوا أجمعين ، وذابوا كما يذوب الرصاص والنحاس في النار ، فتقوم تمشي على قوائمها ، ولها زفير وشهيق ، وتخطر كما يخطر البعير الهائج ، وترمي من أفواهها ومناخرها شررا كالقصر كأنه جمالة صفر ، فتغشي الخلق ظلمة دخانها حتى لم يبق أحد ينظر إلى أحد من شدة الظلام ، إلا من جعل الله له نورا من صالح عمله ، فيضيء له تلك الظلمة ، فتقودها الزبانية الغلاظ الشداد لا يعصون الله فيما أمرهم [ ويفعلون ما يؤمرون ] حتى إذا نظرت الخلائق إليها تزفر وتشهق وتفور تكاد تميز من الغيظ ، ثم تقرب « 2 » أنيابها إلى بعض ، وترمي بشرر « 3 » عدد نجوم السماء ، كل شرارة بقدر السحابة العظيمة ، فتطير منها الأفئدة ، وترجف منها القلوب ، وتذهل الألباب ، وتحسر الأبصار ، وترتعد الفرائص . ثم تزفر الثانية ، فلم يبق قطرة في عين مخلوق إلا وانهملت وانسكبت ، فتبلغ القلوب الحناجر من الكرب ، ويشتد الفزع ، ثم تزفر الثالثة فلو كان كل نبي عمل عمل سبعين نبيا لظن أنه مواقعها ، ولم يجد عنها مصرفا ، فلم يبق حينئذ نبي مرسل ولا ملك مقرب ولا ولي منتجب إلا وجثا على ركبتيه ، وبلغت نفسه تراقيه ، ثم يعرض لها محمد ( صلى الله عليه وآله ) ، فتقول : ما لي وما لك - يا محمد - فقد حرم الله لحمك علي ، فلا يبقى يومئذ أحد إلا قال : نفسي نفسي ، إلا نبينا محمد ( صلى الله عليه وآله ) ، فإنه يقول : « أمتي أمتي ، وعدك وعدك يا من لا يخلف الميعاد » .
--> ( 1 ) في المصدر : يلتقم السماوات والأرضين . ( 2 ) زاد في المصدر : بعض . ( 3 ) زاد في المصدر : كالقصر .