السيد هاشم البحراني
254
البرهان في تفسير القرآن
يشركوا به شيئا ، وبروح القوة جاهدوا عدوهم وعالجوا معايشهم ، وبروح الشهوة أصابوا لذيذ الطعام ونكحوا الحلال من شباب النساء ، وبروح البدن دبوا ودرجوا ، فهؤلاء مغفور لهم مصفوح عن ذنوبهم ، ثم قال : [ قال ] الله عز وجل : تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّه ورَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجاتٍ وآتَيْنا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ وأَيَّدْناه بِرُوحِ الْقُدُسِ ) * « 1 » ، ثم قال في جماعتهم : وأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْه ) * « 2 » يقول أكرمهم بها وفضلهم على من سواهم ، فهؤلاء مغفور لهم مصفوح عن ذنوبهم . ثم ذكر أصحاب الميمنة ، وهم المؤمنون حقا بأعيانهم ، جعل الله فيهم أربعة أرواح : روح الإيمان ، وروح القوة ، وروح الشهوة ، وروح البدن ، فلا يزال العبد يستكمل هذه الأرواح الأربعة حتى تأتي عليه حالات » . فقال الرجل : يا أمير المؤمنين ، ما هذه الحالات ؟ فقال : « أما أولاهن ، فهو كما قال الله عز وجل : ومِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئاً ) * « 3 » فهذا ينتقص منه جميع الأرواح ، وليس بالذي يخرج من دين الله ، لأن الفاعل به رده إلى أرذل العمر ، فهو لا يعرف للصلاة وقتا ، ولا يستطيع التهجد بالليل ولا بالنهار ، و [ لا ] القيام في الصف مع الناس ، فهذا نقصان من روح الإيمان ، وليس يضره شيئا ، ومنهم من ينتقص منه روح القوة ، فلا يستطيع جهاد عدوه ، ولا يستطيع طلب المعيشة ، ومنهم من ينتقص منه روح الشهوة ، فلو مرت به أصبح بنات آدم لم يحن إليها ولم يقم ، وتبقى روح البدن فيه ، فهو يدب ويدرج حتى يأتيه ملك الموت ، فهذا الحال خير ، لأن الله عز وجل هو الفاعل به . وقد تأتي عليه حالات في قوته وشبابه فيهم بالخطيئة ، فتشجعه روح القوة ، وتزين له روح الشهوة ، وتقوده روح البدن حتى توقعه في الخطيئة ، فإذا لامسها نقص من الإيمان ، وتفصى « 4 » منه ، فليس يعود فيه حتى يتوب ، فإذا تاب تاب الله عليه ، فإن عاد أدخله الله نار جهنم . فأما أصحاب المشئمة ، فمنهم « 5 » اليهود والنصارى ، يقول الله عز وجل : الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَه كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ ) * « 6 » يعرفون محمدا والولاية في التوراة والإنجيل ، كما يعرفون أبناءهم في منازلهم وإِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وهُمْ يَعْلَمُونَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ « 7 » فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ « 8 » ، فلما جحدوا ما عرفوا ابتلاهم الله بذلك ، فسلبهم روح الإيمان ، وأسكن أبدانهم ثلاثة أرواح : روح القوة ، وروح الشهوة ، وروح البدن ، ثم أضافهم إلى الأنعام ، فقال : إِنْ هُمْ إِلَّا كَالأَنْعامِ « 9 » لأن الدابة إنما تحمل بروح القوة وتعتلف بروح
--> ( 1 ) البقرة 2 : 253 . ( 2 ) المجادلة 58 : 22 . ( 3 ) النحل 16 : 70 . ( 4 ) تفصّى من الشيء : تخلص . « لسان العرب 15 : 156 » . ( 5 ) في المصدر : فهم . ( 6 ) البقرة 2 : 146 . ( 7 ) في المصدر زيادة : أنك الرسول إليهم . ( 8 ) البقرة 2 : 146 ، 147 . ( 9 ) الفرقان 25 : 44 .