السيد هاشم البحراني
647
البرهان في تفسير القرآن
وكان التابوت في بني إسرائيل ، كما قال الله عز وجل : فِيه سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسى وآلُ هارُونَ تَحْمِلُه الْمَلائِكَةُ ) * « 1 » ، وقد كان رفع بعد موسى ( عليه السلام ) إلى السماء لما عملت بنو إسرائيل المعاصي ، فلما غلبهم جالوت ، وسألوا النبي أن يبعث إليهم ملكا يقاتل في سبيل الله بعث إليهم طالوت ، وأنزل عليهم التابوت ، وكان التابوت إذا وضع بين بني إسرائيل وبين أعدائهم ورجع عن التابوت إنسان كفر وقتل ، ولا يرجع أحد عنه إلا ويقتل . فكتب داود إلى صاحبه الذي بعثه : أن ضع التابوت بينك وبين عدوك ، وقدم أوريا بن حنان بين يدي التابوت . فقدمه ، فقتل أوريا ، فلما قتل أوريا دخل عليه الملكان ، ولم يكن تزوج امرأة أوريا ، وكانت في عدتها ، وداود في محرابه يوم عبادته ، فدخل عليه الملكان من سقف البيت ، وقعدا بين يديه ، ففزع داود منهما ، فقالا : لا تخف ، خصمان بغى بعضنا على بعض ، فاحكم بيننا بالحق ولا تشطط ، واهدنا إلى سواء الصراط ، ولداود حينئذ تسع وتسعون امرأة ما بين مهيرة « 2 » إلى جارية ، فقال أحدهما لداود : إن هذا أخي له تسع وتسعون نعجة ، ولي نعجة واحدة ، فقال : أكفلنيها وعزني في الخطاب . أي ظلمني وقهرني ، فقال داود كما حكى الله عز وجل : * ( لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤالِ نَعْجَتِكَ إِلى نِعاجِه ) * إلى قوله : * ( وخَرَّ راكِعاً وأَنابَ ) * ، قال : فضحك المستعدى عليه من الملائكة وقال : قد حكم الرجل على نفسه . فقال داود : أتضحك وقد عصيت ! لقد هممت أن أهشم فاك . قال : فعرجا ، وقال الملك المستعدى عليه : لو علم داود لكان أحق بهشم فيه مني . ففهم داود الأمر ، وذكر الخطيئة ، فبقي أربعين يوما ساجدا يبكي ، ليله ، ونهاره ، ولا يقوم إلا وقت الصلاة ، حتى انخرق جبينه ، وسال الدم من عينيه . فلما كان بعد أربعين يوما ، نودي : يا داود ، مالك ، أجائع أنت فنشبعك ، أو ظمآن فنسقيك ، أو عريان فنكسوك ، أم خائف فنؤمنك ؟ فقال : أي رب ، وكيف لا أخاف وقد عملت ما عملت ، وأنت الحكم العدل الذي لا يجوزك ظلم ظالم ؟ فأوحى الله إليه : تب ، يا داود . فقال : أي رب ، وأني لي بالتوبة ؟ قال : صر إلى قبر أوريا حتى أبعثه إليك ، واسأله أن يغفر لك ، فإن غفر لك غفرت لك . قال : يا رب ، فإن لم يفعل ؟ قال : أستوهبك منه . قال : فخرج داود ( عليه السلام ) يمشي على قدميه ويقرأ الزبور ، وكان إذا قرأ الزبور لا يبقي حجر ، ولا شجر ، ولا جبل ، ولا طائر ، ولا سبع إلا يجاوبه ، حتى انتهى إلى جبل ، فإذا عليه نبي عابد ، يقال له حزقيل ، فلما سمع دوي الجبال ، وأصوات السباع علم أنه داود ( عليه السلام ) ، فقال : هذا النبي الخاطئ . فقال له داود : يا حزقيل ، أتأذن لي أن أصعد إليك ؟ قال : لا ، فإنك مذنب . فبكى داود ( عليه السلام ) ، فأوحى الله عز وجل إلى حزقيل : يا حزقيل ، لا تعير داود بخطيئته ، وسلني العافية . فنزل حزقيل ، وأخذ بيد داود فأصعده إليه ، فقال له داود : يا حزقيل ، هل هممت بخطيئة قط ؟ قال : لا . قال : فهل دخلك العجب مما أنت فيه من عبادة الله عز وجل ؟ قال : لا . قال : فهل ركنت إلى الدنيا فأحببت أن تأخذ من شهواتها ولذاتها ؟ قال : بلى ، ربما عرض ذلك بقلبي . قال : فما تصنع ؟ قال : أدخل هذا
--> ( 1 ) البقرة 2 : 248 . ( 2 ) المهيرة : الحرّة . « الصحاح - مهر - 2 : 821 » .