السيد هاشم البحراني

617

البرهان في تفسير القرآن

ثم مضى به إلى الموقف ، فقال : يا إبراهيم ، اعترف بذنبك ، واعرف مناسكك . فلذلك سميت عرفة وأقام به حتى غربت الشمس ثم أفاض به ، فقال : يا إبراهيم ، ازدلف إلى المشعر الحرام ، فسميت المزدلفة ، وأتى به المشعر الحرام ، فصلى به المغرب والعشاء الآخرة بأذان واحد وإقامتين ، ثم بات بها ، حتى إذا صلى بها صلاة الصبح أراه الموقف ، ثم أفاض إلى منى ، فأمره ، فرمى جمرة العقبة ، وعندها ظهر له إبليس ( لعنه الله ) ، ثم أمره الله بالذبح . وإن إبراهيم ( عليه السلام ) حين أفاض من عرفات بات على المشعر الحرام ، وهو فزع ، فرأى في النوم أنه يذبح ابنه إسحاق ، وقد كان إسحاق حج بوالدته سارة ، فلما انتهى إلى منى رمى جمرة العقبة هو وأهله ، وأمر أهله فسارت إلى البيت ، واحتبس الغلام فانطلق به إلى موضع الجمرة الوسطى ، فاستشار ابنه كما حكى الله * ( يا بُنَيَّ إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ ما ذا تَرى ) * ؟ فقال الغلام كما ذكر الله عنه : * ( يا أَبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّه مِنَ الصَّابِرِينَ ) * ، وسلما لأمر الله . وأقبل شيخ ، فقال : يا إبراهيم ، ما تريد من هذا الغلام ؟ قال : أريد أن أذبحه . فقال : سبحان الله ، تذبح غلاما لم يعص الله طرفة عين ! فقال إبراهيم : إن الله أمرني بذلك . فقال : ربك ينهاك عن ذلك ، وإنما أمرك بذلك الشيطان . فقال له إبراهيم : ويلك ، إن الذي بلغني هذا المبلغ هو الذي أمرني به ، والكلام الذي وقع في أذني . فقال : لا والله ما أمرك بهذا إلا الشيطان . فقال إبراهيم : والله لا أكلمك . ثم عزم إبراهيم ( عليه السلام ) على الذبح . فقال : يا إبراهيم ، إنك إمام يقتدى بك ، وإنك إن ذبحت ولدك ، ذبح الناس أولادهم . فلم يكلمه . وأقبل على الغلام واستشاره في الذبح ، فلما أسلما جميعا لأمر الله قال الغلام : يا أبتاه ، خمر وجهي ، وشد وثاقي . فقال إبراهيم : يا بني ، الوثاق مع الذبح ؟ لا والله لا أجمعهما عليك اليوم . فرمى بقرطان الحمار ، ثم أضجعه عليه ، فأخذ المدية فوضعها على حلقه ، ورفع رأسه إلى السماء ، ثم انتحى « 1 » عليه المدية ، فقلب جبرئيل المدية على قفاها ، واجتر الكبش من قبل ثبير ، وأثار الغلام من تحته ، ووضع الكبش مكان الغلام ، ونودي من ميسرة مسجد الخيف : * ( أَنْ يا إِبْراهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ إِنَّ هذا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ ) * . قال : ولحق إبليس بأم الغلام حين نظرت إلى الكعبة في وسط الوادي ، بحذاء البيت ، فقال لها : ما شيخ رأيته ؟ قالت : إن ذلك بعلي . قال : فوصيف رأيته معه ؟ قالت : ذلك ابني . فقال : لقد رأيته أضجعه ، وأخذ المدية ليذبحه ، فقالت : كذبت ، إن إبراهيم أرحم الناس ، كيف يذبح ابنه ؟ قال : فورب السماء والأرض ، ورب هذا البيت لقد رأيته أضجعه وأخذ المدية ليذبحه . فقالت : ولم ؟ قال : زعم أن ربه أمره بذلك . قالت : فحق له أن يطيع ربه . فوقع في نفسها أنه قد امر في ابنها بأمر ، فلما قضت مناسكها أسرعت في الوادي راجعة إلى منى ، وهي واضعة يدها على رأسها ، تقول : يا رب ، لا تؤاخذني بما عملت بأم إسماعيل » . قلت : فأين أراد أن يذبحه ؟ قال : « عند الجمرة الوسطى » . قال : « ونزل الكبش على الجبل الذي عن يمين مسجد منى ، نزل من السماء ، وكان يأكل في سواد ، ويمشي في سواد ، أقرن » .

--> ( 1 ) في « ط » نسخة بدل : اجتّر .