السيد هاشم البحراني

607

البرهان في تفسير القرآن

فقال الرجل للوالي : يا عبد الله ، أما تعتبر بهذه الألطاف التي بها يصرف عني هذا الضرب - ويلك - ردني إلى الإمام ، وامتثل في أمره . قال : فرده الوالي بعد بين يدي الحسن بن علي ( عليهما السلام ) ، فقال : يا ابن رسول الله ، عجبا لهذا ، أنكرت أن يكون من شيعتكم ، ومن لم يكن من شيعتكم فهو من شيعة إبليس ، وهو في النار ، وقد رأيت له من المعجزات ما لا يكون إلا للأنبياء ! فقال الحسن بن علي ( عليهما السلام ) : قل : « أو للأوصياء » . فقال الحسن بن علي ( عليهما السلام ) للوالي : « يا عبد الله ، إنه كذب في دعواه أنه من شيعتنا كذبة لو عرفها ثم تعمدها لابتلي بجميع عذابك له ، ولبقي في المطبق « 1 » ثلاثين سنة ، ولكن الله تعالى رحمه لإطلاق كلمة على ما عنى ، لا على تعمد كذب . وأنت - يا عبد الله - فاعلم أن الله عز وجل قد خلصه من يديك ، خل عنه ، فإنه من موالينا ومحبينا ، وليس من شيعتنا » . فقال الوالي : ما كان هذا كله عندنا إلا سواء ، فما الفرق ؟ قال له الإمام ( عليه السلام ) : « الفرق : أن شيعتنا هم الذين يتبعون آثارنا ، ويطيعونا في جميع أوامرنا ونواهينا ، فأولئك من شيعتنا ، فأما من خالفنا في كثير مما فرض الله عليه فليسوا من شيعتنا » . قال الإمام ( عليه السلام ) للوالي : « وأنت قد كذبت كذبة لو تعمدتها وكذبتها لابتلاك الله عز وجل بضرب ألف سوط ، وسجن ثلاثين سنة في المطبق » . فقال : وما هي ، يا ابن رسول الله ؟ قال : زعمت أنك رأيت له معجزات ، إن المعجزات ليست له ، إنما هي لنا ، أظهرها الله تعالى فيه إبانة لحجتنا ، وإيضاحا لجلالتنا وشرفنا ، ولو قلت : شاهدت فيه معجزات . لم أنكره عليك ، أليس إحياء عيسى ( عليه السلام ) الميت معجزة ، أهي للميت أم لعيسى ؟ أوليس خلق من الطين كهيئة الطير ، فصار طيرا بإذن الله معجزة ، أهي للطائر ، أو لعيسى ( عليه السلام ) ؟ أوليس الذين جعلوا قردة خاسئين معجزة ، أهي للقردة ، أو لنبي ذلك الزمان ؟ « فقال الوالي : أستغفر الله ربي وأتوب إليه . ثم قال الحسن بن علي ( عليهما السلام ) للرجل الذي قال إنه من شيعة علي ( عليه السلام ) : « يا عبد الله ، لست من شيعة علي ( عليه السلام ) ، إنما أنت من محبيه ، إن شيعة علي ( عليه السلام ) : الذين قال الله تعالى فيهم : والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ ) * « 2 » ، وهم الذين آمنوا بالله ، ووصفوه بصفاته ، ونزهوه عن خلاف صفاته ، وصدقوا محمدا في أقواله ، وصوبوه في كل أفعاله ، وقالوا : إن كان عليا بعده سيدا إماما ، وقرما « 3 » هماما ، لا يعدله من أمة محمد أحد ، ولا كلهم إذا اجتمعوا في كفة يوزنون بوزنه ، بل يرجح عليهم كما ترجح السماء والأرض على الذرة ، وشيعة علي ( عليه السلام ) هم الذين لا يبالون في سبيل الله أوقع الموت عليهم ، أو وقعوا على الموت ، وشيعة علي ( عليه السلام ) هم الذين يؤثرون إخوانهم على أنفسهم ، ولو كان بهم خصاصة ، وهم الذين لا يراهم الله حيث نهاهم ، ولا يفقدهم من حيث أمرهم ، وشيعة علي ( عليه السلام ) هم الذين يقتدون بعلي في إكرام إخوانهم المؤمنين . ما عن قولي أقول لك هذا ، بل أقوله عن قول محمد ( صلى الله عليه وآله ) ، فذلك قوله تعالى :

--> ( 1 ) المطبق : السجن تحت الأرض . « أقرب الموارد 1 : 697 » . ( 2 ) البقرة 2 : 82 . ( 3 ) القرم من الرجال : السيد المعظَّم . « لسان العرب - قرم - 12 : 473 » .