السيد هاشم البحراني
603
البرهان في تفسير القرآن
عبد الله ، إن كنت لنا في أوامرنا وزواجرنا مطيعا فقد صدقت ، وإن كنت بخلاف ذلك فلا تزد في ذنوبك بدعواك مرتبة شريفة لست من أهلها ، لا تقل : أنا من شيعتكم ، ولكن قل : أنا من مواليكم ، ومحبيكم ، ومعادي أعدائكم . وأنت في خير ، وإلى خير . وقال رجل للحسين بن علي بن أبي طالب ( عليهما السلام ) : يا ابن رسول الله ، أنا من شيعتكم . قال ( عليه السلام ) : اتق الله ، ولا تدعين شيئا يقول لك الله : كذبت ، وفجرت في دعواك . إن شيعتنا من سلمت قلوبهم من كل غش وغل ودغل « 1 » ، ولكن قل : إني من مواليكم ومحبيكم . وقال رجل لعلي بن الحسين ( عليهما السلام ) : يا ابن رسول الله ، أنا من شيعتكم الخلص . فقال له : يا عبد الله ، فإذن أنت كإبراهيم الخليل ( عليه السلام ) ، الذي قال الله تعالى : * ( وإِنَّ مِنْ شِيعَتِه لإِبْراهِيمَ إِذْ جاءَ رَبَّه بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ) * « 2 » فإن كان قلبك كقلبه فأنت من شيعتنا ، وإن لم يكن قلبك كقلبه ، وهو طاهر من الغش والغل فأنت من محبينا ، وإلا فإنك إن عرفت أنك بقولك كاذب فيه إنك لمبتلى بفالج لا يفارقك إلى الموت ، أو جذام ليكون كفارة لكذبك هذا . وقال الباقر ( عليه السلام ) لرجل فخر على آخر ، قال : أتفاخرني وأنا من شيعة محمد ( صلى الله عليه وآله ) وآل محمد الطيبين ؟ ! فقال له الباقر ( عليه السلام ) : ما فخرت عليه ورب الكعبة ، وغبن منك على الكذب . يا عبد الله ، أمالك الذي معك تنفقه على نفسك أحب إليك ، أم تنفقه على إخوانك المؤمنين ؟ قال : بل أنفقه على نفسي . قال : فلست من شيعتنا ، فإنا نحن ما ننفق على المنتحلين من إخواننا أحب إلينا من أن ننفق على أنفسنا ، ولكن قل : أنا من محبيكم ، ومن الراجين للنجاة بمحبتكم . وقيل للصادق ( عليه السلام ) : إن عمارا الدهني شهد اليوم عند ابن أبي ليلى قاضي الكوفة بشهادة ، فقال له القاضي : قم - يا عمار - فقد عرفناك ، لا نقبل شهادتك لأنك رافضي . فقام عمار ، وقد ارتعدت فرائصه ، واستفرغه البكاء ، فقال له ابن أبي ليلى : أنت رجل من أهل العلم والحديث ، إن كان يسوؤك أن يقال لك رافضي فتبرأ من الرفض ، فأنت من إخواننا . فقال له عمار : يا هذا ، ما ذهبت - والله - حيث ذهبت ، ولكني بكيت عليك وعلي : أما بكائي على نفسي ، فإنك نسبتني إلى رتبة شريفة لست من أهلها ، زعمت أني رافضي ، ويحك ، لقد حدثني الصادق ( عليه السلام ) : أن أول من سمي الرافضة السحرة الذين لما شاهدوا آية موسى ( عليه السلام ) في عصاه آمنوا به ، ورضوا به ، واتبعوه ، ورفضوا أمر فرعون ، واستسلموا لكل ما نزل بهم ، فسماهم فرعون الرافضة لما رفضوا دينه . فالرافضي : من رفض كل ما كرهه الله تعالى ، وفعل كل ما أمر به الله تعالى ، فأين في الزمان مثل هذا ؟ فإنما بكيت على نفسي خشية أن يطلع الله تعالى على قلبي وقد تقبلت هذا الاسم الشريف ، فيعاقبني ربي عز وجل ، ويقول : يا عمار أكنت رافضا للأباطيل ، عاملا للطاعات كما قال لك ؟ فيكون ذلك تقصيرا بي في الدرجات إن سامحني ، موجبا لشديد العقاب علي إن
--> ( 1 ) الدغل : الفساد . « الصحاح - دغل - 4 : 1197 » . ( 2 ) الصافات 37 : 83 و 84 .