السيد هاشم البحراني
447
البرهان في تفسير القرآن
قال : ما علمت بتخلفهم إلا من بعد إبرام الأمر ، وخفت إن دفعت عني الأمر أن يتفاقم إلى أن يرجع الناس مرتدين عن الدين ، وكان ممارستكم إلي - إن أجبتم - أهون مؤونة على الدين ، وأبقى له من ضرب الناس بعضهم ببعض فيرجعون كفارا ، وعلمت أنك لست بدوني في الإبقاء عليهم ، وعلى أديانهم . قال علي ( عليه السلام ) : أجل ، ولكن أخبرني عن الذي يستحق هذا الأمر ، بما يستحقه ؟ فقال أبو بكر : بالنصيحة ، والوفاء ، ورفع المداهنة والمحاباة ، وحسن السيرة ، وإظهار العدل ، والعلم بالكتاب والسنة وفصل الخطاب ، مع الزهد في الدنيا وقلة الرغبة فيها ، وإنصاف المظلوم من الظالم ، القريب والبعيد . ثم سكت . فقال علي ( عليه السلام ) : نشدتك بالله - يا أبا بكر - أفي نفسك تجد هذه الخصال ، أو في ؟ قال : بل فيك ، يا أبا الحسن » . ثم ذكر علي ( عليه السلام ) ما احتج به على أبي بكر مما جاء فيه عن الله سبحانه ، وعن رسوله ( صلى الله عليه وآله ) ، إلى أن قال ( عليه السلام ) : « أنشدك بالله ، ألي ولأهلي وولدي آية التطهير من الرجس ، أم لك ، ولأهل بيتك ؟ قال : بل لك ولأهل بيتك ، قال : فأنشدك بالله ، أنا صاحب دعوة رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، وأهلي ، وولدي يوم الكساء : اللهم هؤلاء أهلي ، إليك لا إلى النار ، أم أنت ؟ قال : بل أنت ، وأهلك ، وولدك . وذكر له أمير المؤمنين ( عليه السلام ) سبعين منقبة - ثم ذكر في الحديث بعد ذكر السبعين منقبة - : فلم يزل ( عليه السلام ) يعد عليه مناقبه التي جعلها الله عز وجل له دونه ، ودون غيره ، ويقول له أبو بكر : بل أنت . قال : فبهذا وشبهه يستحق القيام بأمور أمة محمد ( صلى الله عليه وآله ) . فقال له علي ( عليه السلام ) : فما الذي غرك عن الله ، وعن رسوله ، وعن دينه ، وأنت خلو مما يحتاج إليه أهل دينه ؟ قال : فبكى أبو بكر ، وقال : صدقت - يا أبا الحسن - أنظرني يومي هذا ، فأدبر ما أنا فيه ، وما سمعت منك . قال ، : فقال له علي ( عليه السلام ) : لك ذلك ، يا أبا بكر . فرجع من عنده ، وخلا بنفسه يومه ، ولم يأذن لأحد إلى الليل ، وعمر يتردد في الناس لما بلغه من خلوته بعلي ( عليه السلام ) ، فبات في ليلته ، فرأى رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) في منامه متمثلا له في مجلسه ، فقام إليه أبو بكر ليسلم عليه ، فولى وجهه ، فقال أبو بكر : يا رسول الله ، هل أمرت بأمر فلم أفعل ؟ فقال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : أرد السلام عليك ، وقد عاديت من ولاه الله ورسوله « 1 » ! رد الحق إلى أهله . قال : فقلت : من أهله ؟ قال : من عاتبك عليه ، وهو علي . قال : فقد رددت عليه - يا رسول الله - بأمرك . قال : فأصبح ، وبكى ، وقال لعلي ( عليه السلام ) : ابسط يدك فبايعه ، وسلم إليه الأمر ، وقال له : نخرج إلى مسجد رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، فأخبر الناس بما رأيته في ليلتي ، وما جرى بيني وبينك ، فأخرج نفسي من هذا الأمر ، واسلم عليك بالإمرة . قال : فقال علي ( عليه السلام ) : نعم . فخرج من عنده متغيرا لونه ، فصادفه عمر ، وهو في طلبه ، فقال له : ما حالك ، يا خليفة رسول الله ؟ فأخبره بما كان منه ، وما رأى ، وما جرى بينه وبين علي ( عليه السلام ) ، فقال له عمر : أنشدك بالله - يا خليفة رسول الله - أن تغتر بسحر بني هاشم ، فليس هذا بأول سحر منهم . فما زال به حتى رده عن رأيه ، وصرفه عن عزمه ، ورغبه فيما هو فيه ، وأمره بالثبات عليه ، والقيام به » .
--> ( 1 ) في المصدر : عاديت اللَّه ورسوله وعاديت من والى اللَّه ورسوله .