السيد هاشم البحراني
426
البرهان في تفسير القرآن
ضرار : ويحك - يا بن صهاك - أترمي في مبارزة ؟ والله لئن رميتني لا تركت عدويا بمكة إلا قتلته . فانهزم عند ذلك عمر ، ومر نحوه ضرار ، وأشار « 1 » على رأسه بالقناة ، ثم قال : احفظها - يا عمر - فإني آليت ألا أقتل قرشيا ما قدرت عليه . فكان عمر يحفظ له ذلك بعد ما ولي ، فولاه . فبقي رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) يحاربهم في الخندق خمسة عشر يوما ، فقال أبو سفيان لحيي بن أخطب : ويلك - يا يهودي - أين قومك ؟ فصار حيي بن أخطب إليهم ، فقال : ويلكم ، اخرجوا ، فقد نابذكم محمد الحرب ، فلا أنتم مع محمد ، ولا أنتم مع قريش . فقال كعب : لسنا خارجين ، حتى تعطينا قريش عشرة من أشرافهم رهنا يكونون في حصننا ، إنهم إن لم يظفروا بمحمد لم يبرحوا حتى يرد محمد علينا عهدنا وعقدنا ، فإنا لا نأمن أن تفر قريش ونبقى نحن في عقر دارنا ، ويغزونا محمد ، فيقتل رجالنا ، ويسبي نساءنا وذرارينا ، وإن لم نخرج لعله يرد علينا عهدنا . فقال له حيي بن أخطب : تطمع في غير مطمع ، قد نابذت العرب محمدا الحرب ، فلا أنتم مع محمد ، ولا أنتم مع قريش . فقال كعب : هذا من شؤمك ، إنما أنت طائر تطير مع قريش غدا وتتركنا في عقر دارنا ، ويغزونا محمد . فقال له حيي لك عهد الله علي وعهد موسى إن لم تظفر قريش بمحمد أني أرجع معك إلى حصنك ، يصيبني ما يصيبك . فقال كعب : هو الذي قد قلته لك ، إن أعطتنا قريش رهنا يكونون عندنا ، وإلا لم نخرج . فرجع حيي بن أخطب إلى قريش فأخبرهم ، فلما قال : يسألون الرهن . قال أبو سفيان : هذا - والله - أول الغدر ، قد صدق نعيم بن مسعود ، لا حاجة لنا في إخوان القردة والخنازير . فلما طال على أصحاب رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) الأمر ، اشتد عليهم الحصار ، وكانوا في وقت برد شديد ، وأصابتهم مجاعة ، وخافوا من اليهود خوفا شديدا ، وتكلم المنافقون بما حكى الله عنهم ، ولم يبق أحد من أصحاب رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) إلا نافق ، إلا القليل . وقد كان رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) أخبر أصحابه : « أن العرب تتحزب ، ويجيئونا من فوق ، وتغدر اليهود ونخافهم من أسفل ، وأنه ليصيبهم جهد شديد ، ولكن تكون العاقبة لي عليهم » . فلما جاءت قريش ، وغدرت اليهود ، قال المنافقون : ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا . وكان قوم منهم لهم دور في أطراف المدينة ، فقالوا : يا رسول الله ، تأذن لنا أن نرجع إلى دورنا فإنها في أطراف المدينة ، وهي عورة ، ونخاف اليهود أن يغيروا عليها ؟ وقال قوم : هلموا فنهرب ونصير في البادية ، ونستجير بالأعراب ، فإن الذي كان يعدنا محمد كان باطلا كله . وكان رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) أمر أصحابه أن يحرسوا المدينة بالليل ، وكان أمير المؤمنين ( عليه السلام ) على العسكر كله بالليل يحرسهم ، فإن تحرك أحد من قريش بارزهم « 2 » ، وكان أمير
--> ( 1 ) في المصدر : وضربه . ( 2 ) في المصدر : نابذهم .