السيد هاشم البحراني

259

البرهان في تفسير القرآن

فقال له موسى : * ( ذلِكَ بَيْنِي وبَيْنَكَ أَيَّمَا الأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلا عُدْوانَ عَلَيَّ ) * « 1 » أي لا سبيل علي إن عملت عشر سنين ، أو ثمان سنين . فقال موسى * ( واللَّه عَلى ما نَقُولُ وَكِيلٌ ) * « 2 » » . قال : قلت لأبي عبد الله ( عليه السلام ) : أي الأجلين قضى ؟ قال : « أتمها عشر سنين » . قلت له : فدخل بها قبل أن يقضي الأجل ، أو بعده ؟ قال : « قبل » . قلت : فالرجل يتزوج المرأة ، ويشترط لأبيها إجارة شهرين مثلا ، أيجوز ذلك ؟ قال : « إن موسى علم أنه يتم له شرطه ، فكيف لهذا أن يعلم أنه يبقى حتى يفي » . قلت له : جعلت فداك ، أيهما زوجه شعيب من بناته ؟ قال : « التي ذهبت إليه فدعته ، وقالت لأبيها : * ( يا أَبَتِ اسْتَأْجِرْه إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ ) * « 3 » » . « فلما قضى موسى الأجل ، قال لشعيب : لا بد لي أن أرجع إلى وطني ، وأمي ، وأهل بيتي ، فما لي عندك ؟ فقال شعيب : ما وضعت أغنامي في هذه السنة من غنم بلق « 4 » فهو لك ؟ فعمد موسى عندما أراد أن يرسل الفحل على الغنم إلى عصا ، فشق « 5 » منها بعضا ، وترك بعضا ، وغرزها في وسط مربض الغنم ، وألقى عليها كساء أبلق ، ثم أرسل الفحل على الغنم ، فلم تضع الغنم في تلك السنة إلا بلقا . فلما حال عليه الحول ، حمل موسى امرأته ، وزوده شعيب من عنده ، وساق غنمه ، فلما أراد الخروج ، قال لشعيب : أبغي عصا تكون معي ، وكانت عصي الأنبياء عنده ، قد ورثها مجموعة في بيت ، فقال له شعيب : ادخل هذا البيت ، وخذ عصا من بين العصي . فدخل ، فوثبت إليه عصا نوح وإبراهيم ( عليهما السلام ) ، وصارت في كفه ، فأخرجها ، ونظر إليها شعيب ، فقال : ردها ، وخذ غيرها . فردها ليأخذ غيرها ، فوثبت إليه تلك بعينها ، فردها ، حتى فعل ذلك ثلاث مرات ، فلما رأى شعيب ذلك ، قال له : اذهب ، فقد خصك الله بها . فساق غنمه ، فخرج يريد مصر ، فلما صار في مفازة ومعه أهله ، أصابهم برد شديد وريح وظلمة ، وجنهم الليل ، فنظر موسى إلى نار قد ظهرت ، كما قال الله : * ( فَلَمَّا قَضى مُوسَى الأَجَلَ وسارَ بِأَهْلِه آنَسَ مِنْ جانِبِ الطُّورِ ناراً قالَ لأَهْلِه امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ ناراً لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ ) * « 6 » ، فأقبل نحو النار يقتبس ، فإذا شجرة ونار تلتهب عليها ، فلما ذهب نحو النار يقتبس منها أهوت إليه ، ففزع منها وعدا ، ورجعت النار إلى الشجرة ، فالتفت إليها وقد رجعت إلى مكانها ، فرجع الثانية ليقتبس ، فأهوت إليه ، فعدا وتركها ، ثم التفت إليها وقد رجعت إلى الشجرة ، فرجع إليها ثالثة ، فأهوت إليه ، فعدا ولم يعقب ، أي لم يرجع ، فناداه الله :

--> ( 1 ، 2 ) القصص 28 : 28 . ( 3 ) القصص 28 : 26 . ( 4 ) البلق : سواد وبياض ، وبلق الدابة : ارتفاع التحجيل إلى الفخذين . « لسان العرب - بلق - 10 : 25 » . ( 5 ) في المصدر : فقشر . ( 6 ) القصص 28 : 29 .