السيد هاشم البحراني
256
البرهان في تفسير القرآن
مسلم ، عن أبي جعفر ( عليه السلام ) ، قال : « إن موسى لما حملت به أمه ، لم يظهر حملها إلا عند وضعه ، وكان فرعون قد وكل بنساء بني إسرائيل نساء من القبط يحفظونهن ، وذلك أنه كان لما بلغه عن بني إسرائيل أنهم يقولون : إنه يولد فينا رجل ، يقال له موسى بن عمران ، يكون هلاك فرعون وأصحابه على يده . فقال فرعون عند ذلك : لأقتلن ذكور أولادهم ، حتى لا يكون ما يريدون . وفرق بين الرجال والنساء ، وحبس الرجال في المحابس « 1 » . فلما وضعت أم موسى موسى ( عليه السلام ) ، نظرت إليه ، وحزنت عليه ، واغتمت وبكت ، وقالت : يذبح الساعة . فعطف الله بقلب الموكلة بها عليها « 2 » ، فقالت لام موسى : ما لك قد اصفر لونك ؟ فقالت : أخاف أن يذبح ولدي . فقالت : لا تخافي . وكان موسى لا يراه أحد إلا أحبه ، وهو قول الله : وأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي ) * « 3 » فأحبته القبطية الموكلة به . وأنزل الله على موسى التابوت ، ونوديت أمه : ضعيه في التابوت فاقذفيه في اليم ، وهو البحر * ( ولا تَخافِي ولا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوه إِلَيْكِ وجاعِلُوه مِنَ الْمُرْسَلِينَ ) * ، فوضعته في التابوت ، وأطبقت عليه ، وألقته في النيل . وكان لفرعون قصر على شط النيل متنزه « 4 » ، فنزل من قصره ومعه آسية امرأته ، فنظر إلى سواد في النيل ترفعه الأمواج ، والرياح تضربه ، حتى جاءت به إلى باب قصر فرعون ، فأمر فرعون بأخذه ، فأخذ التابوت ، ورفع إليه ، فلما فتحه وجد فيه صبيا ، فقال : هذا إسرائيلي . وألقى الله في قلب فرعون لموسى محبة شديدة ، وكذلك في قلب آسية ، وأراد فرعون أن يقتله ، فقالت آسية : * ( لا تَقْتُلُوه عَسى أَنْ يَنْفَعَنا أَوْ نَتَّخِذَه وَلَداً وهُمْ لا يَشْعُرُونَ ) * أنه موسى ( عليه السلام ) ، ولم يكن لفرعون ولد ، فقال : ائتوا له بظئر تربيه . فجاؤوا بعدة نساء قد قتل أولادهن ، فلم يشرب لبن أحد من النساء ، وهو قول الله : * ( وحَرَّمْنا عَلَيْه الْمَراضِعَ مِنْ قَبْلُ ) * . وبلغ أمه أن فرعون قد أخذه ، فحزنت ، وبكت ، كما قال : * ( وأَصْبَحَ فُؤادُ أُمِّ مُوسى فارِغاً إِنْ كادَتْ لَتُبْدِي بِه ) * ، يعني كادت أن تخبر بخبره ، أو تموت ، ثم ضبطت نفسها ، فكان كما قال الله عز وجل : * ( لَوْ لا أَنْ رَبَطْنا عَلى قَلْبِها لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وقالَتْ لأُخْتِه ) * ، أي لأخت موسى : * ( قُصِّيه ) * أي اتبعيه ، فجاءت أخته إليه * ( فَبَصُرَتْ بِه عَنْ جُنُبٍ ) * أي عن بعد * ( وهُمْ لا يَشْعُرُونَ ) * فلما لم يقبل موسى بأخذ ثدي أحد من النساء ، اغتم فرعون غما شديدا ، فقالت أخته : هل أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم ، وهم له ناصحون ؟ فقال : نعم فجاءت بأمه ، فلما أخذته في حجرها ، وألقمته ثديها ، والتقمه وشرب ، ففرح فرعون وأهله ، وأكرموا أمه ، وقالوا لها : ربيه لنا ، ولك منا الكرامة بما تختارين « 5 » . وذلك قول الله تعالى : * ( فَرَدَدْناه إِلى أُمِّه كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها ولا تَحْزَنَ ولِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّه حَقٌّ ولكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ ) * .
--> ( 1 ) في « ج ، ي » : المجالس . ( 2 ) في المصدر : عليه . ( 3 ) طه 20 : 39 . ( 4 ) المتنزّه : مكان التّنزّه . « المعجم الوسيط 2 : 915 » . ( 5 ) في المصدر : ربّيه لنا ، فإنا نفعل بك ما نفعل .