السيد هاشم البحراني

247

البرهان في تفسير القرآن

فلما سمع الناس أن الملك قد تبنى ابنا ، لم يبق أحد من رؤوس من كان مع فرعون إلا بعث إليه امرأته ، لتكون له ظئرا « 1 » ، أو تحضنه ، فأبى أن يأخذ من امرأة منهن ثديا . قالت : امرأة فرعون : اطلبوا لابني ظئرا ، ولا تحقروا أحدا . فجعل لا يقبل من امرأة منهن ثديا . فقالت أم موسى لأخته : انظري أترين له أثرا ؟ فانطلقت حتى أتت باب الملك ، فقالت : قد بلغني أنكم تطلبون ظئرا ، وها هنا امرأة صالحة تأخذ ولدكم ، وتكفله لكم . فقالت : أدخلوها ، فلما دخلت ، قالت لها امرأة فرعون : ممن أنت ؟ قالت : من بني إسرائيل . قالت : اذهبي - يا بنية - فليس لنا فيك حاجة . فقالت لها النساء : عافاك الله ، انظري هل يقبل ، أو لا ؟ فقالت امرأة فرعون : أرأيتم لو قبل هذا ، هل يرضى فرعون أن يكون الغلام من بني إسرائيل ، والمرأة من بني إسرائيل - يعني الظئر - ؟ لا يرضى . قلن : فانظري أيقبل ، أو لا يقبل ؟ قالت امرأة فرعون : فاذهبي فادعيها . فجاءت إلى أمها ، فقالت : إن امرأة الملك تدعوك . فدخلت عليها ، فدفع إليها موسى ، فوضعته في حجرها ، ثم ألقمته ثديها ، فازدحم اللبن في حلقه ، فلما رأت امرأة فرعون أن ابنها قد قبل ، قامت إلى فرعون ، فقالت : إني قد أصبت لابني ظئرا ، وقد قبل منها . فقال : وممن هي ؟ قالت : من بني إسرائيل . قال فرعون : هذا مما لا يكون أبدا ، الغلام من بني إسرائيل ، والظئر من بني إسرائيل ؟ فلم تزل تكلمه فيه ، وتقول : ما تخاف من هذا الغلام ، إنما هو ابنك ، ينشأ في حجرك ؟ حتى قلبته عن رأيه ، ورضي . فنشأ موسى ( عليه السلام ) في آل فرعون ، وكتمت أمه خبره ، وأخته ، والقابلة ، حتى هلكت أمه ، والقابلة التي قبلته ، فنشأ ( عليه السلام ) لا يعلم به بنو إسرائيل - قال - وكانت بنو إسرائيل تطلبه وتسأل عنه ، فيعمى عليهم خبره - قال - فبلغ فرعون أنهم يطلبونه ، ويسألون عنه ، فأرسل إليهم ، فزاد في العذاب عليهم ، وفرق بينهم ، ونهاهم عن الإخبار به ، والسؤال عنه » . قال : « فخرجت بنو إسرائيل ذات ليلة مقمرة إلى شيخ عنده علم ، فقالوا : لقد كنا نستريح إلى الأحاديث ، فحتى متى ، وإلى متى نحن في هذا البلاء ؟ ! قال : والله إنكم لا تزالون فيه حتى يحيي الله ذكره بغلام من ولد لاوي بن يعقوب ، اسمه موسى بن عمران ، غلام طوال جعد . فبيناهم كذلك ، إذ أقبل موسى ( عليه السلام ) يسير على بغلة ، حتى وقف عليهم ، فرفع الشيخ رأسه ، فعرفه بالصفة ، فقال له : ما اسمك ، يرحمك الله ؟ قال : موسى . قال : ابن من ؟ قال : ابن عمران . فوثب إليه الشيخ ، فأخذ بيده فقبلها ، وثاروا إلى رجليه فقبلوهما ، فعرفهم وعرفوه ، واتخذهم شيعة . فمكث بعد ذلك ما شاء الله ، ثم خرج ، فدخل مدينة لفرعون ، فيها رجل من شيعته يقاتل رجلا من آل فرعون من القبط ، فاستغاثه الذي من شيعته على الذي من عدوه القبطي ، فوكزه موسى ، فقضى عليه - وكان موسى ( عليه السلام ) قد أعطي بسطة في الجسم ، وشدة في البطش - فذكره الناس ، وشاع أمره ، وقالوا : إن موسى قتل رجلا من آل فرعون . فأصبح في المدينة خائفا يترقب ، فلما أصبحوا من الغد ، فإذا الذي استنصره بالأمس يستصرخه على آخر ، فقال له موسى : إنك لغوي مبين ، بالأمس رجل واليوم رجل ؟ ! فلما أراد أن يبطش بالذي هو عدو لهما ، قال : يا موسى ، أتريد أن تقتلني كما قتلت نفسا بالأمس ؟ ! إن تريد إلا أن تكون جبارا في الأرض ، وما

--> ( 1 ) الظَّئر : المرضعة غير ولدها . « النهاية 3 : 154 » .