السيد هاشم البحراني

171

البرهان في تفسير القرآن

ومر موسى في الهزيمة مع الناس ، فناداه الله : خُذْها ولا تَخَفْ سَنُعِيدُها سِيرَتَهَا الأُولى ) * « 1 » ، فرجع موسى ، ولف على يده عباءة كانت عليه ، ثم أدخل يده في فيها ، فإذا هي عصا كما كانت ، فكان كما قال الله : * ( فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ ) * لما رأوا ذلك ، و * ( قالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعالَمِينَ رَبِّ مُوسى وهارُونَ ) * ، فغضب فرعون عند ذلك غضبا شديدا ، وقال : * ( آمَنْتُمْ لَه قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّه لَكَبِيرُكُمُ ) * يعني موسى * ( الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ لأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ ولأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ ) * فقالوا ، كما حكى الله : * ( لا ضَيْرَ إِنَّا إِلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنا رَبُّنا خَطايانا أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ ) * . فحبس فرعون من آمن بموسى في السجن ، حتى أنزل الله عليهم الطوفان ، والجراد ، والقمل ، والضفادع ، والدم ، فأطلق فرعون عنهم فأوحى الله إلى موسى : * ( أَنْ أَسْرِ بِعِبادِي إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ ) * ، فخرج موسى ببني إسرائيل ، ليقطع بهم البحر ، وجمع فرعون أصحابه ، وبعث في المدائن حاشرين ، وحشر الناس ، وقدم مقدمته في ست مائة ألف ، وركب هو في ألف ألف ، وخرج كما حكى الله عز وجل : * ( فَأَخْرَجْناهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وعُيُونٍ وكُنُوزٍ ومَقامٍ كَرِيمٍ كَذلِكَ وأَوْرَثْناها بَنِي إِسْرائِيلَ فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ ) * ، فلما قرب موسى من البحر ، وقرب فرعون من موسى ، قال أصحاب موسى : * ( إِنَّا لَمُدْرَكُونَ ) * ، قال موسى : * ( كَلَّا إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ ) * أي سينجيني : فدنا موسى ( عليه السلام ) من البحر ، فقال له : انفلق ، فقال البحر له : استكبرت - يا موسى - أن تقول لي أنفلق « 2 » لك ، ولم أعص الله طرفة عين ، وقد كان فيكم المعاصي ؟ فقال له موسى : فأحذر أن تعصي الله وقد علمت أن آدم اخرج من الجنة بمعصيته ، وإنما إبليس لعن بمعصيته ، فقال البحر : ربي عظيم ، مطاع أمره ، ولا ينبغي لشيء أن يعصيه . فقام يوشع بن نون ، فقال لموسى : يا رسول الله ، ما أمرك ربك ؟ قال : بعبور البحر . فاقتحم يوشع فرسه في الماء ، فأوحى الله إلى موسى : * ( أَنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْبَحْرَ ) * ، فضربه * ( فَانْفَلَقَ فَكانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ ) * ، أي كالجبل العظيم ، فضرب له في البحر اثني عشر طريقا ، فأخذ كل سبط منهم في طريق ، فكان الماء قد ارتفع ، وبقيت الأرض يابسة ، طلعت فيها الشمس ، فيبست ، كما حكى الله : فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقاً فِي الْبَحْرِ يَبَساً لا تَخافُ دَرَكاً ولا تَخْشى ) * « 3 » . ودخل موسى وأصحابه البحر ، وكان أصحابه اثني عشر سبطا ، فضرب الله لهم في البحر اثنى عشر طريقا ، فأخذ كل سبط في طريق ، وكان الماء قد ارتفع على رؤوسهم مثل الجبال ، فجزعت الفرقة التي كانت مع موسى ( عليه السلام ) في طريقه ، فقالوا : يا موسى أين إخواننا ؟ فقال لهم : معكم في البحر . فلم يصدقوه ، فأمر الله البحر ، فصارت طاقات ، حتى كان ينظر بعضهم إلى بعض ، ويتحدثون . وأقبل فرعون وجنوده ، فلما انتهى إلى البحر ، قال لأصحابه : ألا تعلمون أني ربكم الأعلى ؟ قد فرج لي

--> ( 1 ) طه 20 : 21 . ( 2 ) في « ط » : أنفرق انفرق . وفي « ي » افترق افترق . ( 3 ) طه 20 : 77 .