السيد هاشم البحراني
88
البرهان في تفسير القرآن
ملك مقرب ولا نبي مرسل ، غير أن لي في كل يوم اغتماسة فيه ، ثم أخرج منه فأنفض أجنحتي ، فليس من قطرة تقطر من أجنحتي إلا خلق الله تبارك وتعالى منها ملكا مقربا ، له عشرون ألف وجه وأربعون ألف لسان ، كل لسان يلفظ بلغة لا يفقهها اللسان الآخر . فعبر رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) حتى انتهى به إلى الحجب ، والحجب خمسمائة حجاب ، من الحجاب إلى الحجاب مسيرة خمسمائة عام ، ثم قال : تقدم ، يا محمد . فقال له : « يا جبرئيل ، ولم لا تكون معي ؟ » قال : ليس لي أن أجوز هذا المكان . فتقدم رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ما شاء الله أن يتقدم حتى سمع ما قال الرب تبارك وتعالى : أنا المحمود وأنت محمد ، شققت اسمك من اسمي ، فمن وصلك وصلته ، ومن قطعك بتكته « 1 » ، انزل إلى عبادي فأخبرهم بكرامتي إياك ، وأني لم أبعث نبيا إلا جعلت له وزيرا ، وأنك رسولي ، وأن عليا وزيرك . فهبط رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، فكره أن يحدث الناس بشيء ، كراهية أن يتهموه ، لأنهم كانوا حديثي عهد بالجاهلية ، حتى مضى لذلك ستة أيام ، فأنزل الله تبارك وتعالى : * ( فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى إِلَيْكَ وضائِقٌ بِه صَدْرُكَ ) * فاحتمل رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ذلك حتى كان يوم الثامن ، فأنزل الله تبارك وتعالى عليه : يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَه واللَّه يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ) * « 2 » فقال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : « تهديد بعد وعيد ، لأمضين لأمر « 3 » الله عز وجل ، فإن يتهموني ويكذبوني فهو أهون علي من أن يعاقبني الله العقوبة الموجعة في الدنيا والآخرة » . قال : وسلم جبرئيل ( عليه السلام ) على علي ( عليه السلام ) بإمرة المؤمنين ، فقال علي ( عليه السلام ) « يا رسول الله ، أسمع الكلام ولم أحس الرؤية » . فقال : « يا علي ، هذا جبرئيل أتاني من قبل ربي بتصديق ما وعدني . ثم أمر رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) رجلا فرجلا من أصحابه حتى سلموا عليه بإمرة المؤمنين » . ثم قال : « يا بلال ، ناد في النسا : أن لا يبقى غدا أحد - إلا عليل - إلا خرج إلى غدير خم » . فلما كان من الغد خرج رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) بجماعة من « 4 » أصحابه ، فحمد الله وأثنى عليه ، ثم قال : « أيها الناس ، إن الله تبارك وتعالى أرسلني إليكم برسالة ، وإني ضقت بها ذرعا مخافة أن تتهموني وتكذبوني ، حتى أنزل الله علي وعيدا بعد وعيد ، فكان تكذيبكم إياي أيسر علي من عقوبة الله تعالى . إن الله تبارك وتعالى أسرى بي وأسمعني ، وقال لي : يا محمد ، أنا المحمود وأنت محمد ، شققت اسمك من اسمي ، فمن وصلك وصلته ، ومن قطعك بتكته ، انزل إلى عبادي فأخبرهم بكرامتي إياك ، وأني لم أبعث نبيا إلا جعلت له وزيرا ، وأنك رسولي ، وأن عليا وزيرك » . ثم أخذ رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) بيد علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) فرفعها حتى نظر الناس إلى بياض إبطيهما ، ولم ير قبل ذلك ، ثم قال : « أيها الناس ، إن الله تبارك وتعالى مولاي ، وأنا مولى المؤمنين ، فمن كنت مولاه فعلي مولاه ، اللهم وال من
--> ( 1 ) البتك : القطع . « الصحاح - بتك - 4 : 1574 » . ( 2 ) المائدة 5 : 67 . ( 3 ) في المصدر : أمر . ( 4 ) ( من ) ليس في المصدر .