السيد هاشم البحراني

652

البرهان في تفسير القرآن

في تابوته ، وجميع العلم قد كتب له في الألواح ، كما يظن هؤلاء الذين يدعون أنهم فقهاء وعلماء ، وأنهم قد أثبتوا جميع العلم والفقه في الدين مما تحتاج هذه الأمة إليه ، وصح لهم عن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) وعلموه وحفظوه ، وليس كل علم رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) علموه ، ولا صار إليهم عن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ولا عرفوه ، وذلك أن الشيء من الحلال والحرام والأحكام يرد عليهم فيسألون عنه ، ولا يكون عندهم فيه أثر عن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ويستحيون أن ينسبهم الناس إلى الجهل ، ويكرهون أن يسألوا فلا يجيبوا فيطلب الناس العلم من معدنه ، فلذلك استعملوا الرأي والقياس في دين الله ، وتركوا الآثار ، ودانوا الله بالبدع ، وقد قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : كل بدعة ضلالة . فلو أنهم إذا سئلوا عن شيء من دين الله ، فلم يكن عندهم منه أثر عن رسول الله ، ردوه إلى الله وإلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم ، لعلمه الذين يستنبطونه منهم - من آل محمد ( عليهم السلام ) - والذي منعهم من طلب العلم منا العداوة والحسد لنا ، لا والله ما حسد موسى ( عليه السلام ) العالم - وموسى نبي الله يوحي الله إليه - حيث لقيه واستنطقه وعرفه بالعلم ، ولم يحسده كما حسدتنا هذه الأمة بعد رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) على ما علمنا وما ورثنا عن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ولم يرغبوا إلينا في علمنا كما رغب موسى ( عليه السلام ) إلى العالم وسأله الصحبة ، ليتعلم منه ، ويرشده ، فلما أن سأل العالم ذلك ، علم العالم أن موسى ( عليه السلام ) لا يستطيع صحبته ، ولا يحتمل علمه ، ولا يصير معه ، فعند ذلك قال العالم : * ( وكَيْفَ تَصْبِرُ عَلى ما لَمْ تُحِطْ بِه خُبْراً ) * فقال موسى ( عليه السلام ) له ، وهو خاضع له يستعطفه على نفسه كي يقبله : * ( سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّه صابِراً ولا أَعْصِي لَكَ أَمْراً ) * وقد كان العالم يعلم أن موسى ( عليه السلام ) لا يصبر على علمه . فكذلك - والله ، يا إسحاق بن عمار - حال قضاة هؤلاء وفقهائهم وجماعتهم اليوم ، لا يحتملون - والله - علمنا ولا يقبلونه ولا يطيقونه ، ولا يأخذون به ، ولا يصبرون عليه ، كما لم يصبر موسى ( عليه السلام ) على علم العالم حين صحبه ورأى ما رأى من علمه ، وكان ذلك عند موسى ( عليه السلام ) مكروها ، وكان عند الله رضا وهو الحق ، وكذلك علمنا عند الجهلة مكروه لا يؤخذ ، وهو عند الله الحق » . 6722 / [ 16 ] - عن عبد الرحمن بن سيابة ، عن أبي عبد الله ( عليه السلام ) قال : « إن موسى ( عليه السلام ) صعد المنبر ، وكان منبره ثلاث مراق « 1 » ، فحدث نفسه أن الله لم يخلق خلقا أعلم منه ، فأتاه جبرئيل ( عليه السلام ) فقال له : إنك قد ابتليت ، فانزل فإن في الأرض من هو أعلم منك فاطلبه فأرسل إلى يوشع : إني قد ابتليت ، فاصنع لنا زادا وانطلق بنا فاشترى حوتا من الحيتان الحية ، فخرج بأذربيجان ، ثم شواه ، ثم حمله في مكتل ، ثم انطلقا يمشيان في ساحل البحر ، والنبي إذا مر في مكان لم يعي أبدا حتى يجوز ذلك الوقت » . قال : فبينما هما يمشيان إذ انتهيا إلى شيخ مستلق ، معه عصاه موضوعة إلى جانبه ، وعليه كساء إذا قنع رأسه

--> 16 - تفسير العيّاشي 2 : 332 / 47 . ( 1 ) المرقاة : الدرجة ، واحدة من مراقي الدّرج . « لسان العرب - رقا - 14 : 332 » .