السيد هاشم البحراني

59

البرهان في تفسير القرآن

سبحانك إني كنت من الظالمين . فاستجاب له ربه ، فأخرجه الحوت إلى الساحل ، ثم قذفه فألقاه بالساحل ، وأنبت الله عليه شجرة من يقطين - وهو القرع - فكان يمصه ويستظل به وبورقه ، وكان تساقط شعره ورق جلده . وكان يونس يسبح ويذكر الله الليل والنهار ، فلما أن قوي واشتد بعث الله دودة ، فأكلت أسفل القرع فذبلت القرعة ثم يبست ، فشق ذلك على يونس ، فظل حزينا ، فأوحى الله إليه : مالك حزينا ، يا يونس ، قال : يا رب ، هذه الشجرة التي كانت تنفعني سلطت عليها دودة فيبست ، فقال : يا يونس ، أحزنت لشجرة لم تزرعها ولم تسقها ولم تعي « 1 » بها أن يبست حين استغنيت عنها ولم تجزع لمائة ألف أو يزيدون « 2 » أردت أن ينزل عليهم العذاب ؟ ! إن أهل نينوى قد آمنوا واتقوا فارجع إليهم . فانطلق يونس إلى قومه ، فلما دنا من نينوى استحيا أن يدخل ، فقال لراع لقيه : ائت أهل نينوى فقل لهم : إن هذا يونس قد جاء . قال الراعي أتكذب ، أما تستحيي ، ويونس قد غرق في البحر وذهب . قال له يونس : إن نطقت الشاة بأني يونس ، قبلت مني ؟ فقال الراعي : بلى . قال يونس : اللهم أنطق هذه الشاة حتى تشهد له بأني يونس فانطقت « 3 » الشاة له بأنه يونس . فلما أتى الراعي قومه وأخبرهم ، أخذوه وهموا بضربه ، فقال : إن لي بينة لما أقول . قالوا : من يشهد ؟ قال : هذه الشاة تشهد . فشهدت بأنه صادق وأن يونس قد رده الله إليهم ، فخرجوا يطلبونه ، فوجدوه فجاؤوا به ، وآمنوا وحسن إيمانهم ، فمتعهم الله إلى حين وهو الموت ، وأجارهم من ذلك العذاب » . 4981 / [ 6 ] - العياشي : عن أبي عبيدة الحذاء ، عن أبي جعفر ( عليه السلام ) ، قال : سمعته يقول : « وجدنا في بعض كتب أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ، قال : حدثني رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) أن جبرئيل ( عليه السلام ) حدثه أن يونس بن متى ( عليه السلام ) بعثه الله إلى قومه وهو ابن ثلاثين سنة ، وكان رجلا تعتريه الحدة وكان قليل الصبر على قومه والمداراة لهم ، عاجزا عما حمل من ثقل حمل أوقار النبوة وأعلامها ، وأنه تفسخ تحتها كما يتفسخ تحتها كما يتفسخ الجذع تحت حمله « 4 » . وأنه أقام فيهم يدعوهم إلى الإيمان بالله والتصديق به واتباعه ثلاثا وثلاثين سنة ، فلم يؤمن به ولم يتبعه من قومه إلا رجلان اسم أحدهما روبيل ، واسم الآخر تنوخا ، وكان روبيل من أهل بيت العلم والنبوة والحكمة ، وكان قديم الصحبة ليونس بن متى من قبل أن يبعثه الله بالنبوة . وكان تنوخا رجلا مستضعفا عابدا زاهدا ، منهمكا في العبادة ، وليس له علم ولا حكم ، وكان روبيل صاحب غنم يرعاها ويتقوت منها ، وكان تنوخا رجلا حطابا يحتطب على رأسه ، ويأكل من كسبه . وكان لروبيل منزلة من يونس غير منزلة تنوخا ، لعلم روبيل وحكمته وقديم صحبته .

--> 6 - تفسير العيّاشي 2 : 129 / 44 . ( 1 ) في « ط » : ولم تعبأ . ( 2 ) في المصدر : ولم تحزن لأهل نينوى أكثر من مائة ألف . ( 3 ) في المصدر : وذهب . قال له : اللهمّ إنّ هذه الشاة تشهد لك أنّي يونس . فنطقت . ( 4 ) الجذع : الشاب من الإبل ، والكلام كناية عن عدم التحمّل لما يعرض لها .