السيد هاشم البحراني

475

البرهان في تفسير القرآن

جبرئيل : يا مالك ، أر محمدا النار . فكشف عنها غطاءها ، وفتح بابا منها ، فخرج منها لهب ساطع في السماء ، وفارت فارتفعت « 1 » حتى ظننت ليتناولني مما رأيت ، فقلت : يا جبرئيل ، قل له فليرد عليها غطاءها . فأمرها فقال لها : ارجعي . فرجعت إلى مكانها الذي خرجت منه . ثم مضيت فرأيت رجلا آدما « 2 » جسيما ، فقلت : من هذا ، يا جبرئيل ؟ فقال : هذا أبوك آدم . فإذا هو تعرض عليه ذريته ، فيقول : روح طيب وريح طيبة ، من جسد طيب ، ثم تلا رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) سورة المطففين على رأس سبع عشرة آية : كَلَّا إِنَّ كِتابَ الأَبْرارِ لَفِي عِلِّيِّينَ وما أَدْراكَ ما عِلِّيُّونَ كِتابٌ مَرْقُومٌ ) * « 3 » إلى آخرها . قال : فسلمت على أبي آدم وسلم علي ، واستغفرت له واستغفر لي ، وقال : مرحبا بالابن الصالح ، والنبي الصالح ، والمبعوث في الزمن الصالح . ثم مررت بملك من الملائكة وهو جالس على مجلس ، وإذا جميع الدنيا بين ركبتيه ، وإذا بيده لوح من نور ، مكتوب فيه كتاب ينظر فيه ، ولا يلتفت يمينا ولا شمالا ، مقبلا عليه كهيئة الحزين ، فقلت : من هذا ، يا جبرئيل ؟ فقال : هذا ملك الموت ، دائب في قبض الأرواح . فقلت : يا جبرئيل ، أدنني منه حتى أكلمه . فأدناني منه ، فسلمت عليه ، وقال له جبرئيل : هذا محمد نبي الرحمة الذي أرسله الله إلى العباد ، فرحب بي وحياني بالسلام ، وقال : أبشر - يا محمد - فإني أرى الخير كله في أمتك . فقلت : الحمد لله المنان ذي النعم والإحسان على عباده ، ذلك من فضل ربي ورحمته علي . فقال جبرئيل : هو أشد الملائكة عملا . فقلت : أكل من مات ، أو هو ميت فيما بعد هذا ، تقبض روحه ؟ قال : نعم . قلت : تراهم حيث كانوا وتشهدهم بنفسك ؟ فقال : نعم . وقال ملك الموت : ما الدنيا كلها عندي فيما سخرها الله لي ومكنني منها ، إلا كالدرهم في كف الرجل ، يقلبه كيف يشاء ، وما من دار إلا وأنا أتصفحها في كل يوم خمس مرات ، وأقول إذا بكى أهل الميت على ميتهم : لا تبكوا عليه ، فإن لي فيكم عودة وعودة حتى لا يبقى منكم أحد . قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : كفى بالموت طامة ، يا جبرئيل . فقال جبرئيل : إن ما بعد الموت أطم وأطم من الموت . قال : ثم مضيت فإذا أنا بقوم بين أيديهم موائد من لحم طيب ولحم خبيث ، يأكلون اللحم الخبيث ويدعون الطيب ، فقلت : من هؤلاء ، يا جبرئيل ؟ فقال : هؤلاء الذين يأكلون الحرام ويدعون الحلال ، وهم من أمتك ، يا محمد . وقال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : ثم رأيت ملكا من الملائكة ، جعل الله أمره عجبا ، نصف جسده من النار والنصف الآخر ثلج ، فلا النار تذيب الثلج ولا الثلج يطفئ النار ، وهو ينادي بصوت رفيع : سبحان الذي كف حر هذه النار فلا تذيب الثلج ، وكف برد هذا الثلج فلا يطفئ حر هذه النار ، اللهم يا مؤلف بين الثلج والنار ألف بين قلوب عبادك المؤمنين . فقلت : من هذا يا جبرئيل ؟ فقال : هذا ملك وكله الله بأكناف السماوات وأطراف الأرضين ،

--> ( 1 ) في المصدر : فارتعدت . ( 2 ) الادم من الناس : الأسمر . « لسان العرب - أدم - 12 : 11 » . ( 3 ) المطففين 83 : 18 - 20 .