السيد هاشم البحراني
354
البرهان في تفسير القرآن
يجيبونه بمساكنهم ، ومعايشهم ، وأوكارهم ، وأعشاشهم ، وكيف تبيض ، وكيف تحيض ، وكان آخر من تقدم بين يديه الديك ، فوقف بين يديه في حسنه وجماله وبهائه ، ومد عنقه ، وضرب بجناحه ، وصاح صيحة أسمع الملائكة والطيور وجميع من حضر : يا غافلين ، اذكروا الله . ثم قال : يا نبي الله ، إني كنت مع أبيك آدم ( عليه السلام ) أوقظه لوقت الصلاة ، وكنت مع نوح ( عليه السلام ) في الفلك ، وكنت مع إبراهيم الخليل ( عليه السلام ) ، حين أظفره الله بعدوه نمرود ، ونصره عليه بالبعوض « 1 » ، وكنت أكثر ما أسمع أباك إبراهيم ( عليه السلام ) « 2 » يقرأ آية الملك : قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ وتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ ) * « 3 » إلى آخر الآية ، وأعلم يا نبي الله ، أني لا أصيح صيحة في ليل أو نهار إلا أفزعت بها الجن والشياطين ، وأما إبليس فإنه يذوب كما يذوب الرصاص في النار . قال : ثم أتي بالحية ، وقد جذبتها الملائكة جذبة هائلة ، وقد قطعوا يديها ورجليها ، وإذا هي مسحوبة على وجهها ، مبطوحة على بطنها ، لا قوائم لها ، وصارت ممدودة ، ومنعت النطق فصارت خرساء مشقوقة اللسان ، فقالت لها الملائكة : لا رحمك الله تعالى ولا رحم الله من يرحمك ، ونظر إليها آدم وحواء ، والملائكة يرجمونها من كل ناحية . وروي عن النبي ( صلى الله عليه وآله ) : أنه قال : « من قتل الحية فله سبع حسنات ، ومن تركها ولم يقتلها مخافة شرها لم يكن في ذلك له أجر ، ومن قتل وزغا « 4 » فله حسنة ، ومن قتل حية فله حسنات مضاعفة » . وقال ابن عباس ( رضي الله عنه ) : قتل حية أحب إلي من قتل كافر . قال : ثم اخرج آدم ( عليه السلام ) من الجنة ، وأبرزه جبرئيل إلى السماوات ، وحجبت عنه حواء فلم يرها ونظرت الملائكة إلى آدم ( عليه السلام ) وهو عريان ، ففزعت منه ، وجعلت تقول : إلهنا ، وهذا آدم بديع فطرتك ، أقله ولا تخذله . وآدم ( عليه السلام ) قد وضع يده اليمنى على باب الجنة « 5 » ، واليسرى على سوأته ، ودموعه تجري على خديه ، فوقف آدم ( عليه السلام ) ، وناداه الرب جل وعلا : « يا آدم » . قال : « لبيك يا ربي وسيدي ومولاي وخالقي ، تراني ولا أراك ، وأنت علام الغيوب » . قال الله تعالى : « يا آدم ، قد سبق في علمي ، إذا تاب العاصي تبت عليه ، وأتفضل عليه برحمتي . يا آدم ، ما أهون الخلق علي إذا عصوني ، وما أكرمهم علي إذا أطاعوني » . فقال آدم ( عليه السلام ) : « بحق من هو الشرف الأكبر ، إلا ما أقلت عثرتي ، وعفوت عني » فأتاه النداء ، « يا آدم ، من الذي سألتني بحقه ؟ » . فقال آدم ( عليه السلام ) : « إلهي وسيدي ومولاي وربي ، هذا صفيك وحبيبك وخاصتك وخالصتك ورسولك محمد بن عبد الله ، فلقد رأيت اسمه مكتوبا على العرش ، وفي اللوح المحفوظ ، وعلى صفح السماوات ، وعلى
--> ( 1 ) ( بالبعوض ) : ليس في المصدر . ( 2 ) في المصدر : آدم . ( 3 ) آل عمران 3 : 26 . ( 4 ) الوزغ : حيوان صغير يقال له : سام أبرص . « مجمع البحرين - وزغ - 5 : 18 » . ( 5 ) في المصدر : على رأسه .