السيد هاشم البحراني

342

البرهان في تفسير القرآن

عليك أحد يذكر الله تعالى ؟ فقالت الأرض : يا رب ، إن السماء تفتخر علي ، إذ ليس علي أحد يذكرك . فنوديت الأرض : أن اسكني ، فإني أخلق من أديمك صورة لا مثل لها من الجن « 1 » ، وأرزقه العقل والعلم والكتاب واللسان ، وانزل عليه من كلامي ، ثم أملأ بطنك وظهرك وشرقك وغربك على مزاج تربك في اللون ، والحرية ، والسرية ، وافتخري يا أرض على السماء بذلك . ثم استقرت الأرض وسألت ربها أن يهبط إليها خلقا ، فأذن لها بذلك ، على أن يعبدوه ولا يعصوه - قال - وهبط الجن وإبليس اللعين وسكنا الأرض ، فأعطوا على ذلك العهد ، ونزلوا وهم سبعون ألف قبيلة يعبدون الله حق عبادته دهرا طويلا . ثم رفع الله إبليس إلى سماء الدنيا لكثرة عبادته ، فعبد الله تعالى فيها ألف سنة ، ثم رفع إلى السماء الثانية ، فعبد الله تعالى فيها ألف سنة ، ولم يزل يعبد الله في كل سماء ألف سنة حتى رفعه الله إلى السماء السابعة ، وكان أول يوم في السماء الأولى السبت ، والأحد في الثانية ، حتى كان يوم الجمعة صير في السماء السابعة ، وكان يعبد الله حق عبادته ، ويوحده حق توحيده ، وكان بمنزلة عظيمة حتى إذا مر به جبرئيل وميكائيل ، يقول بعضهم لبعض : لقد أعطي هذا العبد من القوة على طاعة الله وعبادته ما لم يعط أحد من الملائكة . فلما كان بعد ذلك بدهر طويل ، أمر الله تعالى جبرئيل أن يهبط إلى الأرض ، ويقبض من شرقها وغربها وقعرها وبسطها قبضة ، ليخلق منها خلقا جديدا ، ليجعله أفضل الخلائق » . 5838 / [ 2 ] - وعنه : قال ابن عباس : فنزل إبليس ( لعنه الله ) فوقف وسط الأرض ، وقال : يا أيتها الأرض ، إني جئتك ناصحا لك ، إن الله تعالى يريد أن يخلق منك خلقا يفضله على جميع الخلق ، وأخاف أن يعصيه ، وقد أرسل الله إليك جبرئيل ، فإذا جاءك فاقسمي عليه أن لا يقبض منك شيئا . فلما هبط جبرئيل بإذن ربه ، نادته الأرض ، وقالت : يا جبرئيل ، بحق من أرسلك إلي ، لا تقبض مني شيئا ، فإني أخاف أن يعصيه ذلك الخلق ، فيعذبه في النار . قال : فارتعد جبرئيل من هذا القسم ، ورجع إلى السماء ولم يقبض منها شيئا ، فأخبر الله تعالى بذلك ، فبعث الله تعالى ميكائيل ثانية ، فجرى له مثل ما جرى لجبرئيل ، فبعث الله عزرائيل ملك الموت ، فلما هم بها أن يقبض منها ، قالت له مثل ما قالت لهما ، فقال : وعزة ربي لا أعصي له أمرا . ثم قبض منها قبضة من شرقها وغربها وحلوها ومرها وطيبها ومالحها وخسيسها « 2 » وقعرها وبسطها ، فقدم ملك الموت بالقبضة ، ووقف أربعين عاما لا ينطق ، فأتاه النداء أن يا ملك الموت ، ما صنعت ؟ فأخبره بجميع القضية . قال الله تعالى : وعزتي وجلالي لاسلطنك على قبض أرواح هذا الخلق الذي أخلقه لقلة رحمتك . فجعل الله نصف تلك القبضة في الجنة ، والنصف الآخر في النار . قال : وخلق الله آدم من سبع أرضين : فرأسه من الأرض والأولى ، وعنقه من الثانية ، وصدره من الثالثة ، ويداه من الرابعة ،

--> 2 - تحفة الإخوان : 63 « مخطوط » . ( 1 ) في « س » : الحسن . ( 2 ) في المصدر : وحسنها .