السيد هاشم البحراني
23
البرهان في تفسير القرآن
ذلك يتجلى عنهم ، حتى إذا أمنوا مكر الله ، وأمنوا عذابه ، وظنوا أنهم قد استقروا ، صيح فيهم صيحة لم يكن لهم فيها مناد يسمعهم ولا يجمعهم « 1 » ، وذلك قول الله عز وجل : * ( حَتَّى إِذا أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَها ) * إلى قوله * ( لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ) * ألا إنه ليس أحد من الظلمة إلا ولهم بقيا ، إلا آل فلان فإنهم لا بقيا لهم » . قال : جعلت فداك ، أليس لهم بقيا ؟ قال : « بلى ، ولكنهم يصيبون منا دما ، فبظلمهم نحن وشيعتنا فلا بقيا لهم » . وقد مضى حديث في معنى الآية بذلك في قوله تعالى : فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِه فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ ) * الآية ، من سورة الأنعام « 2 » . 4868 / [ 3 ] - محمد بن يعقوب : عن محمد بن يحيى ، عن أحمد بن محمد بن عيسى وعلي بن إبراهيم ، عن أبيه ، جميعا عن الحسن بن محبوب ، عن عبد الله بن غالب الأسدي ، عن أبيه ، عن سعيد بن المسيب ، قال : كان علي بن الحسين ( عليهما السلام ) يعظ الناس ويزهدهم في الدنيا ، ويرغبهم في أعمال الآخرة بهذا الكلام في كل جمعة ، في مسجد رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، وحفظ عنه وكتب . كان يقول : « أيها الناس - وساق الحديث إلى أن قال فيه - فاتقوا الله عباد الله ، واعلموا أن الله عز وجل لم يحب زهرة الدنيا وعاجلها لأحد من أوليائه ، ولم يرغبهم فيها وفي عاجل زهرتها ، وظاهر بهجتها ، وإنما خلق الدنيا وخلق أهلها ليبلوهم فيها أيهم أحسن عملا لآخرته . وأيم الله ، لقد ضرب لكم فيها الأمثال ، وصرف الأيام لقوم يعقلون ، ولا قوة إلا بالله ، فازهدوا فيما زهدكم الله عز وجل فيه من عاجل الحياة الدنيا ، فإن الله عز وجل يقول وقوله الحق : * ( إِنَّما مَثَلُ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناه مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِه نَباتُ الأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ والأَنْعامُ حَتَّى إِذا أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَها وازَّيَّنَتْ وظَنَّ أَهْلُها أَنَّهُمْ قادِرُونَ عَلَيْها أَتاها أَمْرُنا لَيْلًا أَوْ نَهاراً فَجَعَلْناها حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ كَذلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ) * . فكونوا عباد الله من القوم الذين يتفكرون : ولا تركنوا إلى الدنيا ، فإن الله عز وجل قال لمحمد ( صلى الله عليه وآله ) : ولا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ ) * « 3 » ولا تركنوا إلى زهرة الدنيا وما فيها ، ركون من اتخذها دار قرار ومنزل استيطان ، فإنها دار بلغة « 4 » ، ومنزل قلعة « 5 » ، ودار عمل ، فتزودوا الأعمال الصالحة فيها قبل تفرق أيامها ، وقبل الإذن من الله في خرابها ، فكأن قد أخربها الذي عمرها أول مرة وابتدأها ، وهو ولي ميراثها ، فأسأل الله العون
--> 3 - الكافي 8 : 75 : 29 . ( 1 ) في « ط » : منال يسعهم ولا يجمعهم . ( 2 ) تقدّم في الحديث ( 4 ) من تفسير الآيتين ( 44 - 45 ) من سورة الأنعام . ( 3 ) هود 11 : 113 . ( 4 ) البلغة : ما يتبلَّغ به من العيش ولا فضل فيه . « لسان العرب - بلغ - 8 : 421 » . ( 5 ) منزل قلعة : أي تحوّل وارتحال . « النهاية 4 : 102 » .