السيد هاشم البحراني
148
البرهان في تفسير القرآن
باب في معنى التوكل 5220 / [ 1 ] - ابن بابويه ، قال : حدثنا أبي ، قال : حدثنا سعد بن عبد الله ، عن أحمد بن أبي عبد الله ، عن أبيه ، في حديث مرفوع إلى النبي ( صلى الله عليه وآله ) قال : « جاء جبرئيل ( عليه السلام ) إلى النبي ( صلى الله عليه وآله ) ، فقال : يا رسول الله ، إن الله تبارك وتعالى أرسلني إليك بهدية لم يعطها أحدا قبلك ، قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : قلت : وما هي ؟ قال : الصبر ، وأحسن منه . قلت : وما هو ؟ قال : الرضا ، وأحسن منه . قلت : وما هو ؟ قال : الزهد ، وأحسن منه . قلت : وما هو ؟ قال : الإخلاص ، وأحسن منه . قلت : وما هو ؟ قال : اليقين ، وأحسن منه ، قلت : وما هو ، يا جبرئيل ؟ قال : إن مدرجة « 1 » ذلك التوكل على الله عز وجل فقلت : وما التوكل على الله عز وجل ؟ فقال : العلم بأن المخلوق لا يضر ولا ينفع ، ولا يعطي ولا يمنع ، واستعمال اليأس من الخلق ، فإذا كان العبد كذلك لم يعمل لأحد سوى الله ، ولم يرج ولم يخف سوى الله ، ولم يطمع في أحد سوى الله ، فهذا هو التوكل . قال : قلت : يا جبرئيل ، فما تفسير الصبر ؟ قال : تصبر في الضراء كما تصبر في السراء ، وفي الفاقة كما تصبر في الغناء ، وفي البلاء كما تصبر في العافية ، ولا يشكو حاله عند المخلوق بما يصيبه من البلاء . قلت : وما تفسير القناعة ؟ قال : يقنع بما يصيبه من الدنيا ، يقنع بالقليل ويشكر اليسير . قلت : فما تفسير الرضا ؟ فقال : الرضا أن « 2 » لا يسخط على سيده ، أصاب من الدنيا أو لم يصب ، ولا يرضى لنفسه باليسير من العمل . قلت : يا جبرئيل ، فما تفسير الزهد ؟ قال : الزاهد يحب من يحب خالقه ، ويبغض من يبغض خالقه ، ويتحرج من حلال الدنيا ولا يلتفت إلى حرامها ، فإن حلالها حساب وحرامها عقاب ، ويرحم جميع المسلمين كما يرحم نفسه ، ويتحرج من الكلام كما يتحرج من الميتة التي قد اشتد نتنها ، ويتحرج عن حطام الدنيا وزينتها كما يجتنب النار أن يغشاها « 3 » وأن يقصر أمله وكأن بين عينيه أجله . قلت : يا جبرئيل ، فما تفسير الإخلاص ؟ قال : المخلص الذي لا يسأل الناس شيئا حتى يجد ، وإذا وجد رضي ، وإذا بقي عنده شيء أعطاه في الله ، فإن من لم يسأل المخلوق فقد أقر لله عز وجل بالعبودية ، وإذا وجد فرضي ، فهو عن الله راض ، والله تبارك وتعالى عنه راض ، وإذا أعطى لله عز وجل فهو على حد الثقة بربه عز وجل . قلت : فما تفسير اليقين ؟ قال : الموقن يعمل لله كأنه يراه ، فإن لم يكن يرى الله فإن الله يراه ، وأن يعلم يقينا أن ما أصابه لم يكن ليخطئه ، وإن ما أخطأه لم يكن ليصيبه ، وهذا كله أغصان التوكل ، ومدرجة الزهد » .
--> 1 - معاني الأخبار : 260 / 1 . ( 1 ) المدرجة : الطريق ، وممرّ الأشياء على الطريق . ( 2 ) في المصدر : قال الراضي . ( 3 ) في المصدر : تغشاه .