السيد هاشم البحراني

118

البرهان في تفسير القرآن

لنا من هذه الصخرة ناقة عشراء ، وكانت الصخرة يعظمونها ويعبدونها ، ويذبحون « 1 » عندها في رأس كل سنة ، ويجتمعون عندها ، فقالوا له : إن كنت كما تزعم نبيا رسولا ، فادع لنا إلهك حتى يخرج لنا من هذه الصخرة الصماء ناقة عشراء « 2 » ، فأخرجها الله كما طلبوا منه . ثم أوحى الله تبارك وتعالى إليه : أن - يا صالح - قال لهم : إن الله قد جعل لهذه الناقة من الماء شرب يوم ، ولكم شرب يوم . وكانت الناقة إذا كان يوم شربها شربت الماء ذلك اليوم ، فيحلبونها فلا يبقى صغير ولا كبير إلا شرب من لبنها يومهم ذلك فإذا كان الليل وأصبحوا ، غدوا إلى مائهم فشربوا منه ذلك اليوم ، ولم تشرب الناقة ذلك اليوم ، فمكثوا بذلك ما شاء الله . ثم إنهم عتوا على الله ، ومشى بعضهم إلى بعض ، وقالوا : اعقروا هذه الناقة واستريحوا منها ، لا نرضى أن يكون لنا شرب يوم ولها شرب يوم . ثم قالوا : من الذي يلي قتلها ، ونجعل له جعلا ما أحب ؟ فجاءهم رجل أحمر أشقر أزرق ، ولد زنا ، لا يعرف له أب ، يقال له : قدار « 3 » ، شقي من الأشقياء ، مشؤوم عليهم ، فجعلوا له جعلا ، فلما توجهت الناقة إلى الماء الذي كانت ترده ، تركها حتى شربت وأقبلت راجعة ، فقعد لها في طريقها ، فضربها بالسيف ضربة فلم تعمل شيئا ، فضربها ضربة أخرى فقتلها ، وخرت إلى الأرض على جنبها ، وهرب فصيلها حتى صعد إلى الجبل ، فرغا ثلاث مرات إلى السماء . وأقبل قوم صالح ، فلم يبق منهم أحد إلا شركه في ضربته ، واقتسموا لحمها فيما بينهم ، فلم يبق منهم صغير ولا كبير إلا أكل منها . فلما رأى ذلك صالح أقبل إليهم ، فقال : يا قوم ، ما دعاكم إلى ما صنعتم ، أعصيتم أمر ربكم ؟ فأوحى الله تبارك وتعالى إلى صالح ( عليه السلام ) : إن قومك قد طغوا وبغوا ، وقتلوا ناقة بعثتها إليهم حجة عليهم ، ولم يكن عليهم فيها ضرر ، وكان لهم منها أعظم المنفعة ، فقل لهم : إني مرسل عليهم عذابي إلى ثلاثة أيام ، فإن هم تابوا ورجعوا قبلت توبتهم ، وصددت عنهم ، وإن هم لم يتوبوا ولم يرجعوا بعثت عليهم عذابي في اليوم الثالث . فأتاهم صالح ( عليه السلام ) ، فقال لهم : يا قوم ، إني رسول ربكم إليكم ، وهو يقول لكم : إن أنتم تبتم ورجعتم واستغفرتم غفرت لكم ، وتبت عليكم ، فلما قال لهم ذلك كانوا أعتى ما كانوا وأخبث ، وقالوا : يا صالح ، ائتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين . قال : يا قوم ، إنكم تصبحون غدا ووجوهكم مصفرة ، واليوم الثاني وجوهكم محمرة ، واليوم الثالث وجوهكم مسودة . فلما أن كان أول يوم أصبحوا ووجوههم مصفرة ، فمشى بعضهم إلى بعض ، وقالوا : قد جاءكم ما قال لكم صالح ، فقال العتاة منهم : لا نسمع قول صالح ولا نقبل قوله ، وإن كان عظيما فلما كان اليوم الثاني أصبحت وجوههم محمرة ، فمشى بعضهم إلى بعض ، فقالوا : يا قوم ، قد جاءكم ما قال لكم صالح . فقال العتاة منهم : لو أهلكنا جميعا ما سمعنا قول صالح ، ولا تركنا آلهتنا التي كان آباؤنا يعبدونها ، ولم يتوبوا ولم يرجعوا فلما كان اليوم الثالث

--> ( 1 ) في « س » : ويدعون . ( 2 ) في « س » : حمراء . ( 3 ) في « س » : قذار .