الشيخ محمد تقي فلسفي ( مترجم : الميلاني )

338

الطفل بين الوراثة والتربية

مصلحة المجتمع ، قيامهم باسداء النصائح اللازمة في الأوقات المناسبة إلى المتكبرين والمغرورين . . . حيث أنهم بنصائحهم الثمينة ينزلونهم من صهوة غرورهم ولو لبضع ساعات . وهناك شواهد تاريخية كثيرة على ما نقول . لقد كان ( المنصور الدوانيقي ) من الخلفاء المتجبرين في السلسلة العباسية . لقد جعلت ذبابة يوماً وجهه مسرحاً لنشاطها وتنقلها ، فقد أخذت تطير من شفته إلى عينيه ، ومن عينيه إلى أنفه ، ومن أنفقه إلى جبهته حتى ضاق بها ذرعاً وتألم كثيراً . فقال لخدمه : انظروا من ينتظرنا بالباب ، فقالوا له : مقاتل بن سلمان . كان مقاتل - هذا - من كبار المحدثين والمفسرين في ذلك العصر فأمر المنصور بالسماح له في الدخول . وما أن دخل حتى وجه له المنصور السؤال التالي : « هل تعلم لماذا خلق الله الذباب ؟ ! قال : نعم . ليذلّ الجبابرة ! . . . فسكت المنصور » ( 1 ) من هذا يظهر أن كلام مقاتل أثر فيه ، فقد وجده مطابقاً للحقيقة ، ومنسجماً مع الحالة السابقة التي كان عليها . ونموذج اخر نجده في قصة المهلب بن أبي صفرة والي عبد الملك بن مروان على خرسان . فقد كان في بعض الأيام مرتدياً ثوباً من خز ، ويسير في الطرقات بكبرياء وتبختر ، فقابله رجل من عامة الناس وقال له : يا عبد الله ، إن هذا المشية مبغوضة من قبل الله ورسوله . فقال له المهلب : أما تعرفني ؟ قال : بلى أعرفك . . . أولك نطفة مذرة ، وآخرتك جيفة قذرة ، وأنت بين ذلك تحمل عذرة . فمضى المهلب وترك مسيته تلك ، دون أن يتعرض للرجل بسوء ( 2 ) .

--> ( 1 ) حياة الحيوان للدميري ج 1 ص 255 . ( 2 ) مجموعة ورام ج 1 ص 199 .