السيد هاشم البحراني
576
البرهان في تفسير القرآن
الله ( صلى الله عليه وآله ) إذا أراد حاجة أبعد واستتر بأشجار ملتفة ، أو بخربة بعيدة ، أو برية بعيدة « 1 » ، فخرج ذات يوم لحاجة وأبعد فاتبعوه ، وأحاطوا به وسلوا سيوفهم عليه ، فأثار الله جل وعلا من تحت رجل محمد ( صلى الله عليه وآله ) من ذلك الرمل جرادا كثيرا ، فاحتوشهم « 2 » وجعل يأكلهم ، فاشتغلوا بأنفسهم عنه . فلما فرغ رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) من حاجته وهم يأكلهم الجراد رجع ( صلى الله عليه وآله ) إلى أهل القافلة ، فقالوا له : يا محمد ، ما بال الجماعة خرجوا خلفك ولم يرجع منهم أحد ؟ فقال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : جاؤوا يقتلونني فسلط الله عليهم الجراد . فجاؤوا ونظروا إليهم فبعضهم قد مات ، وبعضهم قد كاد يموت ، والجراد يأكلهم ، فما زالوا ينظرون إليهم حتى أتى الجراد على أعيانهم ، فلم يبق منهم شيئا . وأما القمل ، أظهر الله قدرته على أعداء محمد ( صلى الله عليه وآله ) بالقمل ، وقصة ذلك أن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) لما ظهر بالمدينة أمره ، وعلا بها شأنه ، حدث يوما أصحابه عن امتحان الله عز وجل للأنبياء ( عليهم السلام ) ، وعن صبرهم على الأذى في طاعة الله ، فقال في حديثه : إن بين الركن والمقام قبور سبعين نبيا ما ماتوا إلا بضر الجوع والقمل . فسمع ذلك بعض المنافقين من اليهود ، وبعض مردة كفار قريش ، فتآمروا بينهم وتوافقوا ليلحقن محمدا بهم ، فيقتلونه بسيوفهم حتى لا يكذب ، فتآمروا بينهم ، وهم مائتان ، على الإحاطة به يوم يجدونه من المدينة خارجا . فخرج رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) يوما خاليا فتبعه القوم ، فنظر بعضهم « 3 » إلى ثياب نفسه وفيها قمل ، ثم جعل بدنه وظهره يحكه من القمل ، فأنف منه أصحابه ، واستحيا فانسل عنهم ، فأبصر آخر ذلك في نفسه ، وفيها قمل مثل ذلك ، فانسل ، فما زال كذلك حتى وجد ذلك كل واحد في نفسه ، فرجعوا ، ثم زاد ذلك عليهم حتى استولى عليهم القمل ، وانطبقت حلوقهم ، فلم يدخل فيها طعام ولا شراب فماتوا كلهم في شهرين ، منهم من مات في خمسة أيام ، ومنهم من مات في عشرة أيام وأقل وأكثر ، ولم يزد على شهرين حتى ماتوا بأجمعهم بذلك القمل والجوع والعطش ، فهذا القمل الذي أرسله الله على أعداء محمد ( صلى الله عليه وآله ) آية له . وأما الضفادع ، فقد أرسل الله مثلها على أعداء محمد ( صلى الله عليه وآله ) لما قصدوا قتله ، فأهلكهم الله بالجرذ « 4 » ، وذلك أن مائتين ، بعضهم كفار العرب ، وبعضهم يهود ، وبعضهم أخلاط من الناس ، اجتمعوا بمكة في أيام الموسم ، وهموا في أنفسهم « 5 » : لنقتلن محمدا . فخرجوا نحو المدينة ، فبلغوا بعض تلك المنازل وإذا هناك ماء في بركة - أو حوض - أطيب من مائهم الذي كان معهم ، فصبوا ما كان معهم منه ، وملأوا رواياهم « 6 » ومزاودهم
--> ( 1 ) ( أو برية بعيدة ) ليس في المصدر . ( 2 ) احتوش القوم على فلان : جعلوه وسطهم « الصحاح - حوش - 3 : 1003 » . ( 3 ) في المصدر : أحدهم . ( 4 ) في « ط » نسخة بدل : بها . ( 5 ) في « ط » نسخة بدل : فيما بينهم . ( 6 ) رواياهم : جمع راوية ، وهي الوعاء الذي يكون فيه الماء ، وتسمّى المزادة . « لسان العرب - روى - 14 : 346 » .