مرتضى الزبيدي
452
تاج العروس
حينَ يَنْشُدُ الظَّبْيُ ظِلَّهُ ، أي حينَ يَشْتَدُّ ( 1 ) الحَرُّ ، فيطْلُبُ كِنَاساً يكْتَنُّ فيهِ مِنْ شِدَّةِ الحَرِّ . ومَكَانٌ ظَلِيلٌ : ذُو ظِلٍّ ، وفي العُبابِ : وَارِفٌ ، أو دَائِمُهُ ، قد دامَتْ ظِلالَتُه . وقَوْلُهم : ظِلٌّ ظَلِيلٌ ، يكونُ مِنْهُ ، وفي بعضِ النُّسَخِ : جنة ، وهو تَحْرِيفٌ ، صَوابُهُ : منه ، كَما ذَكَرْنَا ، أو مُبالَغَةٌ ، كقولِهِم : شِعْرٌ شَاعِرٌ ، ومنهُ قولُهُ تَعالَى : ( ونُدْخِلُهُمْ ظِلاًّ ظَلِيلاً ) ( 2 ) ، وقال الرَّاغِبُ : هو كِنايَةٌ عن غَضارَةِ العَيْشِ ، وقَوْلُ أُحَيْحَةَ ابنِ الجُلاَحِ ، يَصِفُ النَّخْلَ : هِيَ الظِّلُّ في الحَرِّ حَقُّ الظَّلِي * لِ والمَنْظَرُ الأَحْسَنُ الأَجْمَلُ ( 3 ) قال ابنُ سِيدَه : المَعْنَى عِنْدِي : هي الشَّيْءُ الظَّلِيلُ ، فوَضَعَ ا لمَصْدَرَ مَوْضِعَ الاسْمِ . وأَظَلَّ يَوْمُنا : صَارَ ذَا ظِلٍّ ( 3 ) ، وفي العُبابِ ، والصحِّاحِ : كانَ ذَا ظِلٍّ . واسْتَظَلَ بِالظِّلِّ : اكْتَنَّ به ، وقيلَ : مالَ إِلَيْهِ ، وقَعَدَ فيهِ ، وبالشَّجَرَةِ : اسْتَذْرَى بها . واسْتَظَلَّ مِنَ الشَّيْءِ ، وبِهِ : أي تَظَلَّلَ . واسْتَظَلَّ الْكَرَمُ : الْتَفَّتْ نَوامِيهِ . واسْتَظَلَّتِ الْعُيُونُ ، وفي المُحِيطِ : عَيْنُ النَّاقَةِ غارَتْ ، قالَ ذُو الرُّمَّةِ : علَى مُسْتَظِلاَّتِ العُيُونِ سَوَاهِمٍ * شُوَيْكِيَةٍ يَكْسُو بُرَاهَا لُغامُهَا ( 4 ) يقول : غارتْ عُيُونُها ، فهي تحتَ العَجاجِ مُسْتَظِلَّةٌ ، وشُوَيْكِيَةٌ حينَ طلَع نَابُها . واسْتَظَلَّ الدَّمُ : كان في الْجَوْفِ ، وهو المُسْتَظِلُّ ، ومنه قولُه : * مِنْ عَلَقِ الجَوْفِ الذي كانَ اسْتَظَلّْ * وأَظَلّنِي الشَّيْءُ : غَشِيَنِي ، والاسْمُ منه : الظِّلُّ ، بالكسرِ ، وبهِ فَسَّرَ ثَعْلَب قولَهُ تَعالَى : ( إلَى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ ) ( 5 ) ، أو أَظَلَّنِي فُلاَنٌ : إذا دَنَا مِنِّي حَتَّى أَلْقَى عَلَيَّ ظِلَّهُ مِنْ قُرْبِهِ ، ثُمَّ قِيلَ : أَظُلَّكَ أَمْرٌ . ومنهُ الحَديثُ : أَيُّها النَّاسُ قد أَظَلَّكُمْ شَهْرٌ عَظِيمٌ ، أي أَقْبَلَ عليكم ، ودَنَا منكم ، كأَنَّهُ أَلْقَى عليْكُم ظِلَّهُ . وظَلَّ نَهَارَهُ يَفْعَلُ كَذَا وكذا ، ولا يُقالُ ذلكَ إِلاَّ بالنَّهارِ ، كما لا يَقُولونَ : باتَ يَبِيتُ إِلاَّ باللَّيْلِ ، قالَهُ اللَّيْثُ وغيرُه ، وهو المَفْهُومُ مِنْ كَلامِ سِيبَوَيْهِ . وقالَ غيرُهم : يُقالُ أَيضاً : ظَلَّ لَيْلَهُ يَفْعَلُ كذا ، لأَنَّهُ قد سُمِعَ في بعضِ الشِّعْرِ ، وهو قَوْلُ الأَعْشَى : * يَظَلُّ رَجِيماً لِرَيْبِ الْمَنُونِ ( 6 ) * وقد رُدَّ عليهِ ذلكَ ، وأجابُوا عنه بأَنَّ ظَلَّ بِمَعْنَى صَارَ ، ويُسْتَعْمَلُ في غيرِ النَّهارِ ، كَما ذَكَرَهُ المُصَنِّفُ في البُلْغَةِ . يَظَلُّ ، بالْفَتْحِ ، أي فهو من حَدِّ مَنَعَ ، وهي لُغَةٌ نَقَلَها الصَّاغانِيُّ ، ولا وَهَمَ فيه ، كما زَعَمَهُ شيخُنا ظَلاًّ ، وظُلُولاً ، بالضَّمِّ . وظَلِلْتُ أَعْمَلُ كذا ، بالكَسْرِ ، أي مِنْ حَدِّ تَعِبَ ، أَظَلُّ ظُلُولاً ، وعلى هذه اقْتَصَرَ الجَوْهَرِيُّ ، وصاحبُ المِصْباحِ . قالَ اللَّيْثُ : ومن العَرَبِ مَنْ يَحْذِفُ لامَ ظَلِلْتُ ونَحُوِها ، فيقولونَ : ظَلْتُ ، كَلَسْتُ ومنهُ قوله تعالى : ( فَظَلْتُمْ تَفَكُّهُونَ ) ( 7 ) ، وهو مِنْ شَواذِّ التَّخْفِيفِ ، وكذا قولُهُ تَعالى : ( ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفاً ) ( 8 ) ، والأَصْلُ فيهِ : ظَلِلْت ، حُذِفَتِ الَّلامُ لِثِقَلِ التَّضْعِيفِ والكَسْرِ ، وبَقِيَت الظَّاءُ على فَتْحِها . وقال الصَّاغانِيُّ : أَسْقَطُوا الأُولى اسْتِثْقَالاً لاِجْتِماعِ الَّلامَيْنِ ، وتَرَكُوا الظَّاءَ على فَتْحِها ، واكْتَفَوا بِتَعارُفِ مَوْضِعِهِ ، وقِيامِ الثَّانِيَةِ مَقامَهَا . ويَقُولونَ : ظِلْتُ ، كَمِلْتُ ، وبِهِ قَرَأَ ابنُ مَسْعُودٍ ، والأَعْمَشُ ،
--> ( 1 ) عن التهذيب وبالأصل " تشتد " . ( 2 ) سورة النساء الآية 57 . ( 3 ) اللسان . ( 4 ) ديوانه ص 640 واللسان والتكملة . ( 5 ) المرسلات الآية 30 . ( 6 ) ديوانه ط بيروت ص 205 وعجزه فيه : وللسقم في أهله والحزن ( 7 ) الواقعة الآية 65 . ( 8 ) طه الآية 98 .