مرتضى الزبيدي

729

تاج العروس

وقال المُصَنِّف في البصائر : تَبَعَاً للراغب وغيرِه : الفرقُ بين الإنْزالِ والتَّنْزيلِ في وَصْفِ القرآنِ والملائكةِ أنّ التَّنْزيلَ يَخْتَصُّ بالمَوضعِ الذي يُشيرُ إلى إنْزالِه مُتَفرِّقاً مُنَجَّماً ( 1 ) ، ومرّةً بعد أُخرى ، والإنْزالُ عامٌّ ، وقَوْله تَعالى : ( لولا نُزِّلَتْ سورةٌ ) ( 2 ) وقَوْله تَعالى : ( فإذا أُنْزِلَتْ سورةٌ مُحكَمَةٌ ) ( 3 ) فإنّما ذَكَرَ في الأوّلِ نُزِّلَ ، وفي الثاني أُنْزِلَ تَنْبِيهاً أنّ المُنافِقينَ يقترحونَ أن يُنَزَّلَ شيءٌ ، فشئٌ من الحَثِّ على القتالِ ليَتَوَلَّوْه ، وإذا أُمِروا بذلك دَفْعَةً واحدةً تَحاشَوْا عنه فلم يفعلوه ، فهم يقترِحونَ الكثير ، ولا يَفُونَ منه بالقليل ، وقَوْله تَعالى : " إنّا أَنْزَلْناه في ليلةِ القَدْرِ ) ( 4 ) إنّما خُصَّ لَفْظُ الإنْزالِ دونَ التَّنْزيلِ لما رُوِيَ أنّ القرآنَ أُنْزِلَ دَفْعَةً واحدةً ، إلى السماءِ الدنيا ، ثمّ نُزِّلَ مُنَجَّماً بحسَبِ المَصالِح . ثمّ إنّ إنْزالَ الشيءِ قد يكونُ بنَفسِه ، كقَوْله تَعالى : ( وَأَنْزلْنا من السماءِ ماءً ) ( 5 ) وقد يكونُ بإنْزالِ أسبابِه والهِدايةِ إليه ، ومنه قَوْله تَعالى : ( وَأَنْزَلْنا الحديدَ فيه بأسٌ شديدٌ ) ( 6 ) وقَوْله تَعالى : ( يا بَني آدَمَ قد أَنْزَلْنا عليكم لِباساً يُواري سَوْآَتِكُم ) ( 7 ) ، وشاهِدُ الاسْتِنْزالِ قولُه : ( واسْتَنْزَلوهُم ( 8 ) من صَياصيهم " ، ثمّ الذي في المُحْكَم أنّ نزَّلَه وأَنْزَله وَتَنَزَّلَه بمعنىً واحدٍ ، والمُصَنِّف لم يذكرْ تنَزَّلَه ، وذكر عِوَضَه اسْتَنْزَلَه ، فتأمَّلْ . وَتَنَزَّلَ : نَزَلَ في مُهلةٍ وكأنّه رامَ به الفَرقَ بينه وبين أَنْزَلَ ، فهو مِثلُ نَزَلَ ، ومنه قَوْله تَعالى : ( تنَزَّلُ الملائكةُ والرُّوح ) ( 9 ) ، وقَوْله تَعالى : ( وما نَتَنَزَّلُ إلاّ بأمرِ ربِّكَ ) ( 10 ) ، وقال الشاعر : * تنَزَّلَ من جوِّ السماءِ يَصُوبُ ( 11 ) * والنُّزُل ، بضمّتَيْن : المَنْزِل ، عن الزّجّاجِ ، وبذلك فسَّرَ قَوْله تَعالى : ( أَعْتَدْنا جهنَّمَ للكافِرينَ نُزُلا ) ( 12 ) . والنُّزُلُ أيضاً : ما هُيِّئَ للضيفِ وفي الصِّحاح للنَّزِيل أن يَنْزِلَ عليه ، وفي المُحْكَم : إذا نَزَلَ عليه كالنُّزْلِ ، بالضَّمّ ، ج : أَنْزَال . وقال الزّجّاج : معنى قولهم : أَقَمْتُ لهم نُزُلَهم : أي أَقْمَْتُ لهم غِذاءَهم وما يصلُحُ معه أنْ يَنْزِلوا عليه ، وفي الحديث : " اللهُمَّ إنّي أسأَلُكَ نُزُلَ الشُّهَداءِ " . قال ابنُ الأثير : النُّزْلُ في الأصل : قِرى الضيفِ ، وتُضَمُّ زايُه ، يريدُ ما للشهداءِ عندَ اللهِ من الأجرِ والثواب ، ومنه حديثُ الدعاءِ للميِّت : " وأَكْرِمْ نُزُلَه " . النُّزُل أيضاً : الطعامُ والرِّزقُ ، وبه فُسِّرَ قَوْله تَعالى : ( هذا نُزُلُهم يومَ الدِّين ) ( 13 ) . والنُّزُل : البرَكةُ ، يقال : طعامٌ ذو النُّزُل : أي ذو البَرَكةِ ، كالنَّزيلِ كأَميرٍ ، وهذه عن ابْن الأَعْرابِيّ ، يقال : طعامٌ ذو نُزُلٍ ونَزيلٍ : أي مُبارَكٌ . ومنَ المَجاز : النُّزُل : الفَضلُ والعَطاءُ والبَركةُ ، يقال : رجلٌ ذو نُزُلٍ : أي كثيرُ النَّفَلِ ( 14 ) والعطاءِ والبَرَكة . وقال الأخفَش : النُّزُل : القومُ النازِلونَ بعضُهم على بعضٍ ، يقال : ما وَجَدْنا عندكم نُزُلاً . والنُّزُل أيضاً : رَيْعُ ما يُزرَعُ وزَكاؤُه ونَماؤُه وَبَرَكتُه كالنُّزْلِ ، بالضَّمّ وبالتحريك ، والجمعُ أَنْزَالٌ ، كما في المُحْكَم ، واقتصرَ ثَعْلَبٌ على التحريكِ في الفَصيح ، وقال لَبيدٌ : وَلَنْ تَعْدَموا في الحربِ لَيْثَاً مُجَرِّباً * وذا نَزَلٍ عندَ الرَّزِيَّةِ باذِلا ( 15 )

--> ( 1 ) في المفردات : إنزاله مفرقا ومرة بعد أخرى . ( 2 ) سورة محمد الآية 20 . ( 3 ) سورة محمد الآية 20 . ( 4 ) سورة القدر الآية 1 . ( 5 ) المؤمنون الآية 18 . ( 6 ) الحديد الآية 25 . ( 7 ) الأعراف الآية 26 . ( 8 ) بهامش المطبوعة المصرية : " قوله : واستنزلوهم كذا بخطه وهو سبق فلم إذ ليس لفظ الآية هكذا وإنما هو مثال ذكره في الأساس ، ولفظ الآية : وأنزل الذين ظاهروهم من أهل الكتاب من صياصيهم " الأحزاب الآية 26 . ( 9 ) سورة القدر الآية 4 . ( 10 ) سورة مريم الآية 64 . ( 11 ) الأساس . ( 12 ) سورة الكهف الآية 102 . ( 13 ) الواقعة الآية 56 . ( 14 ) اللسان : الفضل . ( 15 ) ديوانه ط بيروت ص 121 برواية : " ولن يعدموا . . . " واللسان والتهذيب .