مرتضى الزبيدي

683

تاج العروس

ومَثَلَ فلانٌ فلاناً : صارَ مِثلَه ، أي يَسُدُّ مَسَدَّه . ومَثَلَ بفلانٍ مَثْلاً ، ومَثْلَةً ، بالضَّمّ وهذه عن ابْن الأَعْرابِيّ : نكَّلَ تَنْكِيلاً بقَطعِ أطرافِه والتشويهِ به . وَمَثَلَ بالقَتيل : جَدَعَ أَنْفَه وأُذُنَه ، أو مَذاكِيرَه ، أو شيئاً من أطرافِه ، وفي الحديثِ : " من مَثَلَ بالشَّعَرِ فليسَ له عند اللهِ خَلاقٌ يومَ القيامةِ " ، أي حَلَقَه من الخُدود ، أو نَتَفَه ، أو غَيَّرَه بالسّوادِ ، ورُوِيَ عن طاوس أنّه قال : جَعَلَه اللهُ طُهْرَةً فَجَعَله نَكالاً . وفي حديثٍ آخَر : " أنّه نهى عن المُثْلَةِ " ، كمَثَّلَ تَمْثِيلاً ، التشديدُ للمُبالغةِ . وفي الحديث : " نَهَى أن يُمَثَّلَ بالدّوابِّ وأنْ تُؤكَلَ المَمْثولُ بها " ، وهو أن تُنصَبَ فتُرمى أو تُقَطَّعَ أَطْرَافُها وهي حَيَّةٌ . وهي المَثُلَةُ ، بضمِّ الثاءِ وسُكونِها ( 1 ) ، هكذا في سائرِ النسخ ، أي مع فَتْحِ الميمِ ، وفي الصِّحاح المَثُلَة ، بفتحِ الميمِ وضمِّ الثاء : العُقوبة ، وزادَ الصَّاغانِيّ : والمُثُلَة ، بضمّتَيْن ، والمُثْلَة ، بالضَّمّ ، فهي ثلاثُ لغاتٍ اقتصرَ الجَوْهَرِيّ منها على الأُولى ، ولم أرَ أَحَدَاً ضَبَطَها بسكونِ الثاءِ مع الفتحِ ، كما هو مُقتَضى عبارَتِه فتأمَّلْ ذلك . وقولُه ج : مُثُولاتٌ ومَثُلاتٌ ( 2 ) ، هكذا في النسخِ وهو غلَطٌ ؛ والصحيحُ أنّ مَثُلاتٍ - بضمِّ الثاء - جمعُ مَثُلَةٍ ، ومن قال : مُثُلَة - بضمّتَيْن - قال في جَمْعِه مُثُلاتٍ بضمّتَيْن أيضاً ، ومن قال مُثْلَة - بالضَّمّ - قال في جَمْعِه مُثْلات بالضَّمّ أيضاً ، وأيضاً مُثُلاتٌ بضمّتَيْن ، وأيضاً ، مُثَلاتٌ بالتحريك ، وأمّا مُثُولات الذي ذَكَرَه المُصَنِّف فلم أَرَهُ في كتابٍ ، فاعْرِفْ ذلك . وقال الزّجّاج : الضمُّ في المَثُلاتِ عِوَضٌ عن الحذفِ ، ورَدَّ ذلك أبو عليٍّ ، وقال : هو من بابِ شاةٌ لَجِبَةٌ وشِياهٌ لَجِبَاتٌ ، قالوا في تفسيرِ قولِه : ( وقد خَلَتْ من قَبْلِهم المَثُلات ) ( 3 ) أي وقد علِموا ما نَزَلَ من عقوبتنا بالأُمَمِ الخاليةِ فلم يعتبروا بهم ، وقال بعضُهم : أي وقد تقدّمَ من العذابِ ما فيه مُثْلَةٌ ونَكالٌ لهم لو اتَّعَظوا ، وكأنّ المَثْلَ مأخوذٌ من المَثَلِ ؛ لأنّه إذا شَنَّعَ في عقوبتِه جَعَلَه مَثَلاً وَعَلَماً . ونقل الصَّاغانِيّ عن ابنِ اليَزيديِّ ، أنّ المُرادَ بالمَثُلاتِ هنا الأمْثال والأشْباه . وفي كتابِ المُحتَسبِ لابنِ جِنِّي : قراءةُ عيسى الثَّقَفيِّ وَطَلْحةَ بنِ سُلَيْمان : " المَثْلات " وقرأ : " المُثْلات " يحيى بنُ وَثّابٍ ، وقراءةُ الناس : " المَثُلات " رَوَيْناه عن أبي حاتمٍ ، قال : روى زائدةُ عن الأعمَشِ عن يحيى : " المَثْلاتُ " بالفَتْح والإسْكان ، قال : وقال زائِدَةُ : ربّما ثَقَّلَ سُلَيْمانُ - يعني الأعمَشَ - يقولُ : " المَثُلات " ، وأصلُ هذا كلُّه المَثُلات ، بفتحِ الميمِ وضمِّ الثاء ، فأمّا من قَرَأَ : " المَثُلات " فعلى أصلِه كالسَّمُراتِ جمع سَمُرَةٍ . ومن قال : " المُثْلات " بضمِّ الميم وسكونِ الثاءِ احتملَ عندنا أَمْرَيْن : إمّا أنّه أرادَ المَثُلات ، ثمّ آثَرَ إسْكانَ الثاءِ اسْتِثقالاً للضمّةِ فَفَعَلَ ذلك إلاّ أنّه نَقَلَ الضمّةَ إلى الميمِ ، فقال : المُثْلات ، أو أنّه خَفَّفَ في الواحدِ فصارتْ مَثُلَة إلى مُثْلَةٍ ، ثمّ جَمَعَ على ذلك فقال : المُثْلات . ثمّ قال بعد توجيهِ كلام : وَرَوَيْنا عن قُطْرُب أنّ بعضُهم قَرَأَ : " المُثُلات " بضمّتَيْن ، فهذا إمّا عامَلَ الحاضِرَ معه فثَقُلَ عليه ، وإمّا فيها لغةٌ أُخرى وهي مُثُلَة - كبُسُرَة ، فيمن ضمَّ السينَ - وإمّا فيها لغةٌ ثالثةٌ وهي مُثْلَة كغُرْفَةٍ . وأمّا من قال : المَثْلات ، بفتحِ الميمِ وسكونِ الثاءِ فإنّه أَسْكَنَ عَيْنَ المَثُلاتِ اسْتِثقالاً لها فَأَقَرَّ الميمَ مَفْتُوحةً ، وإن شِئتَ قلتَ : أَسْكَنَ عَيْنَ الواحدةَ فقال : مَثْلَة ، ثمّ جَمَعَ وأقرَّ السكونَ بحالِه ولم يَفْتَحْ الثاءَ ، كما يقال في جَفْنَةٍ وتَمْرَةٍ جَفَنَاتٌ وتَمَرَاتٌ ، لأنّها ليستْ في الأصلِ فَعْلَة ، وإنّما هي مُسَكَّنةٌ من فَعُلَةٍ ، فَفَصَل بذلك بين فَعْلَةٍ مُرتَجِلَةٍ وفَعْلَةٍ مصنوعة مَنْقُولةٍ من فَعُلَةٍ ، كما ترى ، وإن شِئتَ قلتَ : قد أَسْكَنَ الثاءَ تخفيفاً فلم يرَ مُراجعةَ تحريكِها إلاّ بحركَتِها الأصليّةِ لها ، وقد يُمكنُ أيضاً أن يكونَ من قال : " المَثُلات " ممّن يرى إسْكانَ الواحدِ تخفيفاً ، فلمّا صارَ إلى الجمعِ وآثَرَ التحريكَ في الثاءِ عاوَدَ الضمّةَ ؛ لأنّها هي الأصلُ لها ، ولم يَرْتَجِلْ لها فَتْحَةً أَجْنَبيّةً عنها ، كلُّ ذلك جائزٌ ، انتهى . وأَمْثَلَه من صاحبِه إمْثالاً : قَتَلَه بقَوَدٍ ، يقولُ الرجلُ

--> ( 1 ) على هامش القاموس : قوله : وسكونها ، فيه نظر ، فإنه لم يضبطها أحد بالسكون مع الفتح ، وعبارة المصباح : والاسم : المثلة وزان غرفة ، المثلة بفتح الميم وضم الثاء : العقوبة اه‍ . ( 2 ) على هامش القاموس : فيه نظر أيضا ، والصحيح أن مثلات بضم الثاء ، جمع مثلة بضمها أيضا ، وأما مثولات ، فلم يثبت ، وهناك لغات أخرى في المفرد ، والجمع ، تعلم بمراجعة الشارح . ( 3 ) سورة الرعد الآية 6 .