مرتضى الزبيدي

539

تاج العروس

العربُ الضمّةَ في حروفٍ وَكَسَرتْ مِيمَها وأصلُها الضمُّ ، من ذلك مِصْحَفٌ ومِخْدَعٌ ومِجْسَدٌ ومِطْرَفٌ ومِغْزَلٌ ؛ لأنّها في المعنى أُخِذَتْ من أُصْحِفَ أي جُمِعَتْ فيه الصُّحُف ، وكذلك المِغْزَل إنّما هو من أُغْزِلَ ، أي : قُتِلَ وأُديرَ فهو مُغْزَلٌ . وفي كتابٍ لقومٍ من اليهودِ : عليكم كذا وكذا ورُبُعُ المِغْزَلِ ، أي رُبُعُ ما غَزَلَ نِساؤُكم . قال ابنُ الأثير : هو بالكَسْر : الآلَةُ ، وبالفَتْح : مَوْضِعُ الغَزْلِ ، وبالضَّمّ : ما يُجعَلُ فيه الغَزْلُ ، وقيل : هو حُكْمٌ خُصَّ به هؤلاء . والمُغَيْزِل : حَبلٌ دَقيقٌ . قال ابنُ سِيدَه : أُراه شُبِّه بالمِغْزَلِ لدِقَّتِه ، قال ذلك الحِرْمازِيُّ ، وأنشدَ : وقال اللَّواتي كُنَّ فيها يَلُمْنَني * لَعَلَّ الهَوى يَوْمَ المُغَيْزِلِ قاتِلُهْ ( 1 ) ومُغازَلَةُ النساءِ : مُحادَثَتُهُنَّ ومُراوَدَتُهُنَّ ، والاسمُ الغَزَلُ ، مُحَرَّكَةً ، وقد غَزِلَ غَزَلاً ، وغازَلَها مُغازَلةً . وقال ابنُ سِيدَه : الغَزَل : اللَّهْوُ مع النساءِ ، كالمَغْزَلِ ، كَمَقْعَدٍ ، وأنشدَ : تقولُ لي العَبْرى المُصابُ حَليلُها * أيا مالكٌ هل في الظَّعائِنِ مَغْزَلُ ؟ ( 2 ) قال شَيْخُنا : ظاهرُه أنّ الغَزَلَ هو مُحادثَةُ النساءِ ، ولعلَّه من مَعانيه ، والمعروفُ عند أئمّةِ الأدَبِ وأهلِ اللِّسان أنّ الغَزَلَ والنَّسيبَ : هو مَدْحُ الأعضاءِ الظاهرةِ من المَحبوب ، أو ذِكرُ أيّامِ الوَصْلِ والهَجْرِ ، أو نحو ذلك كما في عُمْدَة ابنِ رَشيقٍ ، وَبَسَطه بعضَ البَسْطِ الشيخُ ابنُ هشامٍ في أوائلِ شَرْحِ الكَعْبِيَّة ، انتهى . قلتُ : نصُّ ابنِ رَشيقٍ في العُمدَة : والنَّسيبُ والغَزَلُ والتَّشْبيبُ كلُّها بمعنىً واحدٍ . وقال عبدُ اللطيف البغداديُّ في شرحِ نَقْدِ الشِّعرِ لقُدامَة : يقال : فلانٌ يُشَبِّبُ بفلانةٍ ، أي يَنسِبُ بها ، ولتَشابُههما لا يُفَرِّقُ اللُّغَوِيُّون بينهما ، وليس ذلك إليهم . قال العَلاّمةُ عبدُ القادرِ بنُ عمرَ البغداديُّ في حاشِيَتِه على شرحِ ابنِ هشامٍ على الكَعْبِيَّة : إنّ التَّشْبيبَ إنّما هو ذِكرُ صِفاتِ المرأةِ ، وهو القسمُ الأوّلُ من النَّسيبِ ، فلا يُطلقُ التَّشبيبُ على ذِكرِ صفاتِ النّاسِبِ ولا على غيرِه من القسمَيْن الباقيَيْن ، والتَّغَزُّلُ بمعنى النَّسيبِ في الأقسامِ الأربعةِ ، فيُقالُ لكلٍّ منهما تغَزُّلٌ ، كما يقال له نَسيبٌ ، والتغَزُّل : ذِكرُ الغَزَل ، فالغَزَلُ غيرُ التغَزُّلِ والنَّسيب . وقال عبدُ اللطيفِ البغداديُّ في شرحِه على نقدِ الشِّعرِ لقُدامة : اعلم أنّ النَّسيبَ والتَّشْبيبَ والغَزَلَ ثلاثَتُها مُتقارِبَةٌ ، ولهذا يَعْسُرُ الفرقُ بينهما حتى يُظَنَّ بها أنّها واحدٌ . ونحن نُوَضِّحُ لك الفرقَ ، فنقول : إنّ الغزَلَ هو الأفعالُ والأحوالُ والأقوالُ الجارِيَةُ بين المُحِبِّ والمَحبوبِ نَفْسُها ، وأمّا التَّشبيبُ فهو الإشادةُ بذِكرِ المحبوبِ وصفاتِه ، وإشهارُ ذلك ، والتَّصريحُ به ، وأمّا النَّسيبُ فهو ذِكرُ الثلاثةِ أعني حالَ الناسبِ والمنسوبِ به ، والأمورَ الجاريةَ بينهما ، فالتَّشبيبُ داخلٌ في النَّسيب ، والنَّسيب : ذِكرُ الغزَلِ . قال قُدامَة : والغزَلُ إنّما هو التَّصابي والاسْتِهتارُ بمَوَدَّاتِ النساءِ ، ويقال في الإنسانِ إنّه غَزِلٌ : إذا كان مُتَشَكِّلاً بالصَّبْوَةِ التي تَليقُ بالنساءِ وتُجانِسُ مُوافقاتِهنَّ بالوَجْدِ الذي يَجِدُه بهنَّ إلى أن يَمِلْنَ إليه ، والذي يُميلُهنَّ إليه هو الشَّمائلُ الحُلْوَة ، والمَعاطِفُ الظريفةُ ، والحركاتُ اللطيفةُ ، والكلامُ المُسْتَعْذَبُ ، والمَزحُ المُستَغْرَبُ . قال الشارحُ المذكور : ينبغي أن يُفهَمَ أنّ الغزَلَ يُطلَقُ تارةً على الاستعدادِ بنحوِ هذه الحالِ ، والتَّخَلُّقِ بهذه الخَليقةِ ، ويُطلقُ تارةً أُخرى على الانفعالِ بهذه الحالِ ، كما يقال : الغَضْبان ، على المُستَعِدِّ للغضَب ، السريعِ الانفعالِ به ، وعلى من انْفَعلَ له ، وخرجَ به إلى الفِعلِ ، فقولُه : الغزَلُ إنّما هو التَّصابي ، يريدُ به التَّخَلُّقَ والانفِعال ، وقولُه : إذا كان مُتَشَكِّلاً بالصَّبْوَةِ ، يريد به الاستعدادَ ، انتهى . والتغَزُّل : التَّكَلُّفُ له ، أي للغزَلِ ، وقد يكونُ بمعنى ذِكرِ الغزَلِ ، فالغَزَلُ غيرُ التغَزُّلِ ، كما تقدّم قريباً .

--> ( 1 ) اللسان . ( 2 ) اللسان .