السيد هاشم البحراني
506
البرهان في تفسير القرآن
وغيروا دين الله ، وعتوا عن أمر ربهم ، وكان فيهم نبي يأمرهم وينهاهم فلم يطيعوه ، وروي أنه إرميا النبي ( عليه السلام ) ، فسلط الله عليهم جالوت ، وهو من القبط ، فأذلهم ، وقتل رجالهم ، وأخرجهم من ديارهم وأموالهم ، واستعبد نساءهم ، ففزعوا إلى نبيهم ، وقالوا : سل الله ان يبعث لنا ملكا ، نقاتل في سبيل الله . وكانت النبوة في بني إسرائيل في بيت ، والملك والسلطان في بيت آخر ، لم يجمع الله تعالى لهم النبوة والملك في بيت واحد ، فمن ذلك قالوا لنبي لهم : ابعث لنا ملكا نقاتل في سبيل الله . فقال لهم نبيهم : * ( هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ أَلَّا تُقاتِلُوا قالُوا وما لَنا أَلَّا نُقاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّه وقَدْ أُخْرِجْنا مِنْ دِيارِنا وأَبْنائِنا ) * وكان كما قال الله : * ( فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ واللَّه عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ ) * . فقال لهم نبيهم : * ( إِنَّ اللَّه قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طالُوتَ مَلِكاً ) * . فغضبوا من ذلك : وقالوا : * ( أَنَّى يَكُونُ لَه الْمُلْكُ عَلَيْنا ونَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْه ولَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمالِ ) * وكانت النبوة في ولد لاوي ، والملك في ولد يوسف ، وكان طالوت من ولد بنيامين أخي يوسف لامه ، لم يكن من بيت النبوة ، ولا من بيت المملكة . فقال لهم نبيهم : * ( إِنَّ اللَّه اصْطَفاه عَلَيْكُمْ وزادَه بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ والْجِسْمِ واللَّه يُؤْتِي مُلْكَه مَنْ يَشاءُ واللَّه واسِعٌ عَلِيمٌ ) * وكان أعظمهم جسما ، وكان شجاعا قويا ، وكان أعلمهم ، إلا أنه كان فقيرا ، فعابوه بالفقر ، فقالوا : لم يؤت سعة من المال ، * ( وقالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِه أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيه سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسى وآلُ هارُونَ تَحْمِلُه الْمَلائِكَةُ ) * . وكان التابوت الذي أنزل الله على موسى ، فوضعته فيه أمه وألقته في اليم ، فكان في بني إسرائيل معظما ، يتبركون به ، فلما حضرت موسى الوفاة وضع فيه الألواح ، ودرعه ، وما كان عنده من آيات النبوة ، وأودعه يوشع وصيه ، فلم يزل التابوت بينهم حتى استخفوا به ، وكان الصبيان يلعبون به في الطرقات . فلم يزل بنو إسرائيل في عز وشرف ما دام التابوت عندهم ، فلما عملوا بالمعاصي ، واستخفوا بالتابوت ، رفعه الله عنهم ، فلما سألوا النبي بعث الله تعالى طالوت عليهم ملكا ، يقاتل معهم ، فرد الله عليهم التابوت كما قال : * ( إِنَّ آيَةَ مُلْكِه أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيه سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسى وآلُ هارُونَ تَحْمِلُه الْمَلائِكَةُ ) * - قال - : البقية ذرية الأنبياء » . 1352 / [ 3 ] - قال علي بن إبراهيم : وقوله : * ( فِيه سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ ) * فإن التابوت كان يوضع بين يدي العدو وبين المسلمين ، فتخرج منه ريح طيبة ، لها وجه كوجه الإنسان . 1353 / [ 4 ] - وقال علي بن إبراهيم : وحدثني أبي ، عن الحسين بن خالد ، عن الرضا ( عليه السلام ) ، قال : « السكينة ريح من الجنة ، لها وجه كوجه الإنسان ، فكان إذا وضع التابوت بين يدي المسلمين والكفار فإن تقدم التابوت
--> 3 - تفسير القمّي 1 : 82 . 4 - تفسير القمّي 1 : 82 .