السيد هاشم البحراني

304

البرهان في تفسير القرآن

ينظر إلى آدم في جلالته ، وإلى شيث في حكمته ، وإلى إدريس في نباهته ومهابته ، وإلى نوح في شكره لربه وعبادته ، وإلى إبراهيم في وفائه وخلته ، وإلى موسى في بغض كل عدو لله ومنابذته ، وإلى عيسى في حب كل مؤمن وحسن معاشرته ، فلينظر إلى علي بن أبي طالب هذا . فأما المؤمنون فازدادوا بذلك إيمانا ، وأما المنافقون فازداد نفاقهم ، فقال الأعرابي : يا محمد ، هكذا مدحك لابن عمك ، إن شرفه شرفك ، وعزه عزك ، ولست أقبل من هذا شيئا إلا بشهادة من لا تحتمل شهادته بطلانا ولا فسادا ، بشهادة هذا الضب . فقال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : يا أخا العرب ، فأخرجه من جرابك لتستشهده ، فيشهد لي بالنبوة ، ولأخي هذا بالفضيلة . فقال الأعرابي : لقد تعبت في اصطياده ، وأنا خائف أن يطفر « 1 » ويهرب . فقال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : لا تخف ، فإنه لا يطفر ، بل يقف ويشهد لنا بتصديقنا وتفضيلنا . فقال الأعرابي : إني أخاف أن يطفر . فقال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : فإن طفر فقد كفاك به تكذيبا لنا ، واحتجاجا علينا ، ولن يطفر ، ولكنه سيشهد لنا بشهادة الحق ، فإذا فعل ذلك فخل سبيله فإن محمدا يعوضك عنه ما هو خير لك منه . فأخرجه الأعرابي من الجراب ، ووضعه على الأرض ، فوقف واستقبل رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، ومرغ خديه في التراب ، ثم رفع رأسه ، وأنطقه الله تعالى ، فقال : أشهد أن إله إلا الله ، وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله وصفيه وسيد المرسلين ، وأفضل الخلق أجمعين ، وخاتم النبيين ، وقائد الغر المحجلين ، وأشهد أن أخاك علي بن أبي طالب على الوصف الذي وصفته ، وبالفضل الذي ذكرته ، وأن أولياءه في الجنان مكرمون « 2 » ، وأن أعداءه في النار خالدون « 3 » . فقال الأعرابي وهو يبكي : يا رسول الله ، وأنا أشهد بما شهد به هذا الضب ، فقد رأيت وشاهدت وسمعت ما ليس لي عنه معدل ولا محيص . ثم أقبل الأعرابي إلى اليهود ، فقال : ويلكم ، أي آية بعد هذه تريدون ؟ ! ومعجزة بعد هذه تقترحون ؟ ! ليس إلا أن تؤمنوا أو تهلكوا أجمعين ، فآمن أولئك اليهود كلهم ، وقالوا : عظمت بركة ضبك علينا ، يا أخا العرب . ثم قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : يا أخا العرب ، خل الضب على أن يعوضك الله عز وجل عنه ما هو خير منه ، فإنه ضب مؤمن بالله وبرسوله ، وبأخي رسوله ، شاهد بالحق ، ما ينبغي أن يكون مصيدا ولا أسيرا ، لكنه يكون مخلى سربه « 4 » [ تكون له مزية ] على سائر الضباب ، بما فضله الله أميرا . فناداه الضب : يا رسول الله ، فخلني وولني تعويضه لأعوضه . فقال الأعرابي : وما عساك تعوضني ؟

--> ( 1 ) طفر : وثب في ارتفاع . « لسان العرب - طفر - 4 : 502 » . ( 2 ) في المصدر : يكرمون . ( 3 ) في المصدر ، و « ط » نسخة بدل : يهانون . ( 4 ) السّرب : الطريق . « لسان العرب - سرب - 1 : 464 » .