السيد هاشم البحراني
286
البرهان في تفسير القرآن
أنه لا يصيبني ، ليتبين لهؤلاء الضعفاء الذين قد اغتروا بك أن زواله عن ابني لم يكن بدعائه . فقال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : يا يهودي ، اتق الله ، وتهنأ بعافية الله إياك ، ولا تتعرض للبلاء ولما لا تطيقه ، وقابل النعمة بالشكر ، فإن من كفرها سلبها ، ومن شكرها امترى « 1 » مزيدها . فقال اليهودي : من شكر نعم الله تكذيب عدو الله المفتري عليه ، وإنما أريد بهذا أن أعرف ولدي أنه ليس مما قلت له وأدعيته قليل ولا كثير ، وأن الذي أصابه من خير لم يكن بدعاء علي صاحبك . فتبسم رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، وقال : يا يهودي ، هبك قلت أن عافية ابنك لم تكن بدعاء علي ، وإنما صادف دعاؤه وقت مجيء عافيته ، أرأيت لو دعا عليك علي بهذا البلاء الذي اقترحته فأصابك ، أتقول : إن ما أصابني لم يكن بدعائه ، ولكن لأنه صادف دعاؤه وقت بلائي ؟ فقال : لا أقول هذا ، لأن هذا احتجاج مني على عدو الله في دين الله ، واحتجاج منه علي ، والله أحكم من أن يجيب إلى مثل هذا فيكون قد فتن عباده ، ودعاهم إلى تصديق الكاذبين . فقال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : فهذا في دعاء علي لابنك كهو في دعائه عليك ، لا يفعل الله تعالى ما يلبس به على عباده دينه ، ويصدق به الكاذب عليه . فتحير اليهودي لما أبطلت عليه « 2 » شبهته ، وقال : يا محمد ، ليفعل علي هذا بي إن كنت صادقا . فقال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) لعلي ( عليه السلام ) : يا أبا الحسن ، قد أبى الكافر إلا عتوا وطغيانا وتمردا ، فادع عليه بما اقترح ، وقل : اللهم ابتله ببلاء ابنه من قبل . فقالها ، فأصاب اليهودي داء ذلك الغلام ، مثل ما كان فيه الغلام من الجذام والبرص ، واستولى عليه الألم والبلاء ، وجعل يصرخ ويستغيث ، ويقول : يا محمد ، قد عرفت صدقك فأقلني « 3 » . فقال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : لو علم الله تعالى صدقك لنجاك ، ولكنه عالم بأنك لا تخرج عن هذا الحال إلا ازددت كفرا ، ولو علم أنه إن نجاك آمنت به لجاد عليك بالنجاة ، فإنه الجواد الكريم » . ثم قال : « فبقي اليهودي في ذلك الداء والبرص أربعين سنة آية للناظرين ، وعبرة للمعتبرين « 4 » ، وعلامة وحجة بينة لمحمد ( صلى الله عليه وآله ) باقية في الغابرين ، وبقي ابنه كذلك معافى صحيح الأعضاء والجوارح ثمانين سنة عبرة للمعتبرين ، وترغيبا للكافرين في الإيمان ، وتزهيدا لهم في الكفر والعصيان . وقال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) حين حل ذلك البلاء باليهودي بعد زوال البلاء عن ابنه : عباد الله ، إياكم والكفر بنعم الله ، فإنه مشؤوم على صاحبه ، ألا وتقربوا إلى الله بالطاعات يجزل لكم المثوبات ، وقصروا أعماركم في الدنيا
--> ( 1 ) الريح تمري السّحاب : أي تستدرّه . « الصحاح - مرا - 6 : 2491 » . ( 2 ) في المصدر : لما أبطل ( صلى اللَّه عليه وآله ) . ( 3 ) أقال اللَّه فلانا عثرته : بمعنى الصفح عنه . « لسان العرب - قيل - 11 : 580 » ، وفي « ط » نسخة بدل : فاقبلني . ( 4 ) في المصدر : للمتفكّرين .