السيد هاشم البحراني

274

البرهان في تفسير القرآن

ولداننا ، وأشرفنا على الهلكة فبعث الله تعالى لهم وابلا هطلا سحا « 1 » ، ملأ حياضهم وآبارهم وأنهارهم وأوعيتهم وظروفهم ، فقالوا : هذه إحدى الحسنيين ثم أشرفوا من سطوحهم على العساكر المحيطة بهم ، فإذا المطر قد آذاهم غاية الأذى ، وأفسد أمتعتهم وأسلحتهم وأموالهم ، فانصرف عنهم لذلك بعضهم ، لأن ذلك المطر أتاهم في غير أوانه ، في حمارة القيظ « 2 » ، حين لا يكون مطر . فقال الباقون من العساكر : هبكم سقيتم ، فمن أين تأكلون ؟ ولئن انصرف عنكم هؤلاء ، فلسنا ننصرف حتى نقهركم على أنفسكم وعيالاتكم ، وأهاليكم وأموالكم ، ونشفي غيظنا منكم . فقالت اليهود : إن الذي سقانا بدعائنا بمحمد وآله قادر على أن يطعمنا ، وإن الذي صرف عنا من صرفه ، قادر على أن يصرف عنا الباقين . ثم دعوا الله بمحمد وآله أن يطعمهم ، فجاءت قافلة عظيمة من قوافل الطعام قدر ألفي جمل وبغل وحمار موقرة « 3 » حنطة ودقيقا ، وهم لا يشعرون بالعساكر ، فانتهوا إليهم وهم نيام ، ولم يشعروا بهم ، لأن الله تعالى ثقل نومهم حتى دخلوا القرية ، ولم يمنعوهم ، وطرحوا « 4 » أمتعتهم وباعوها منهم فانصرفوا وبعدوا ، وتركوا العساكر نائمة ليس في أهلها عين تطرف ، فلما بعدوا انتبهوا ، ونابذوا « 5 » اليهود الحرب ، وجعل يقول بعضهم لبعض : الوحي الوحي « 6 » ، فإن هؤلاء اشتد بهم الجوع وسيذلون لنا . قال لهم اليهود : هيهات ، بل قد أطعمنا ربنا وكنتم نياما ، جاءنا من الطعام كذا وكذا ، ولو أردنا قتالكم « 7 » في حال نومكم لتهيأ لنا ، ولكنا كرهنا البغي عليكم ، فانصرفوا عنا ، وإلا دعونا عليكم بمحمد وآله ، واستنصرنا بهم أن يخزيكم كما قد أطعمنا وسقانا فأبوا إلا طغيانا ، فدعوا الله تعالى بمحمد وآله واستنصروا بهم ، ثم برز الثلاثمائة إلى ثلاثين ألفا « 8 » ، فقتلوا منهم وأسروا وطحطحوهم « 9 » ، واستوثقوا منهم بأسرائهم ، فكان لا ينالهم « 10 » مكروه من جهتهم ، لخوفهم على من لهم في أيدي اليهود فلما ظهر محمد ( صلى الله عليه وآله ) حسدوه ، إذ كان من العرب ، فكذبوه . ثم قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : هذه نصرة الله تعالى لليهود على المشركين بذكرهم لمحمد وآله ، ألا فاذكروا - يا أمة محمد - محمدا وآله عند نوائبكم وشدائدكم ، لينصر الله به ملائكتكم على الشياطين الذين يقصدونكم ،

--> ( 1 ) سحّ الماء سحّا : سال من فوق . « الصحاح - سحح 1 : 373 » . ( 2 ) حمارّة القيظ : شدّة حرّه . « مجمع البحرين - حمر - 3 : 276 » . ( 3 ) الوقر : الحمل . « الصحاح - وقر - 2 : 848 » . ( 4 ) في المصدر زيادة : فيها . ( 5 ) نابذه الحرب : كاشفه . « الصحاح - نبذ - 2 : 571 » . ( 6 ) الوحي : السرعة ، ويقال الوحي الوحي ، يعني البدار البدار . « الصحاح - وحى - 6 : 2520 » . ( 7 ) في « ط » نسخة بدل : قتلكم . ( 8 ) في المصدر : إلى النّاس للقاء . ( 9 ) طحطحت الشيء : كسّرته وفرقته . . « الصحاح - طحح - 1 : 386 » . ( 10 ) في المصدر : فكانوا لا ينداهم .