السيد هاشم البحراني

249

البرهان في تفسير القرآن

حواليه من الأشجار الخضرة النضرة النزهة ، وغمر « 1 » ما حوله من أنواع المنثور « 2 » ، بما لا يوجد إلا في فصول أربعة من جميع السنة ؟ قال الجبل : بلى ، أشهد لك - يا محمد - بذلك ، وأشهد أنك لو اقترحت على ربك أن يجعل رجال الدنيا قرودا وخنازير لفعل ، أو يجعلهم ملائكة لفعل ، وأن يقلب النيران جليدا ، والجليد نيرانا « 3 » لفعل ، أو يهبط السماء إلى الأرض ، أو يرفع الأرض إلى السماء لفعل ، أو يصير « 4 » أطراف المشارق والمغارب والوهاد كلها صرة كصرة الكيس لفعل ، وأنه قد جعل الأرض والسماء طوعك ، والجبال والبحار تنصرف بأمرك ، وسائر ما خلق الله من الرياح والصواعق ، وجوارح الإنسان وأعضاء الحيوان لك مطيعة ، وما أمرتها به من شيء ائتمرت . فقال اليهود : يا محمد : علينا « 5 » تلبس وتشبه ؟ قد أجلست مردة من أصحابك خلف صخور على هذا الجبل ، فهم ينطقون بهذا الكلام ، ونحن لا ندري أنسمع من الرجل أم من الجبل ؟ لا يغتر بمثل هذا إلا ضعفاؤك الذين تبحبح « 6 » في عقولهم ، فإن كنت صادقا فتنح عن موضعك هذا إلى ذلك القرار ، ومر هذا الجبل أن ينقلع « 7 » من أصله ، فيسير إليك إلى هناك ، فإذا حضرك - ونحن نشاهده - فمره أن ينقطع نصفين من ارتفاع سمكه ، ثم ترتفع السفلى من قطعتيه فوق العليا ، وتنخفض العليا تحت السفلى ، فإذا أصل الجبل قلته « 8 » ، وقلته أصله ، لنعلم أنه من الله ، لا يتفق بمواطأة ولا بمعاونة مموهين متمردين . فقال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) - وأشار إلى حجر فيه قدر خمسة أرطال - : يا أيها الحجر ، تدحرج فتدحرج . ثم قال لمخاطبه : خذه وقربه من أذنك ، فسيعيد عليك ما سمعته ، فإنه جزء من ذلك الجبل فأخذه الرجل ، فأدناه إلى أذنه ، فنطق « 9 » الحجر بمثل ما نطق به الجبل أولا من تصديق رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) فيما ذكر عن قلوب اليهود ، وفيما أخبر به من أن نفاقهم في دفع أمر محمد ( صلى الله عليه وآله ) باطل ، ووبال عليهم . فقال له رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : أسمعت هذا ؟ أخلف هذا الحجر أحد يكلمك ، ويوهمك أنه يكلمك ، قال : لا ، فآتني بما اقترحت في الجبل . فتباعد رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) إلى فضاء واسع ، ثم نادى الجبل : يا أيها الجبل ، بحق محمد وآله الطيبين ،

--> ( 1 ) في « س » : وعمّ . ( 2 ) في « ط » نسخة بدل : الميثور . ( 3 ) في « س » : النار . ( 4 ) في « س » : تصير . ( 5 ) في المصدر : أعلينا . ( 6 ) تبحبحت في الدار : إذا توسطتها وتمكّنت منها ، والتّبحبح : التمكّن في الحلول والمقام ، والظاهر أنّ المراد هنا : تتمكن من عقولهم ، وتسيطر عليها . « لسان العرب - بحح - 2 : 407 » . ( 7 ) في « س » : ينقطع . ( 8 ) القلَّة : أعلى الجبل . « الصحاح - قلل - 5 : 1804 » . ( 9 ) في المصدر زيادة : به .