السيد هاشم البحراني

241

البرهان في تفسير القرآن

منعه منه بآفة أو داهية حتى يكفه عنه ، فيكف اضطرارا . فلما قال موسى ( عليه السلام ) للفتى ذلك ، وصار الله عز وجل له لمقالته حافظا ، قال هذا المنشور ، اللهم إني أسألك بما سألك هذا الفتى من الصلاة على محمد وآله الطيبين والتوسل بهم أن تبقيني في الدنيا متمتعا بابنة عمي ، وتجزي عني أعدائي وحسادي وترزقني فيها خيرا كثيرا طيبا . فأوحى الله إليه : يا موسى ، إنه كان لهذا الفتى المنشور بعد القتل ستون سنة ، وقد وهبته بمسألته « 1 » وتوسله بمحمد وآله الطيبين سبعين سنة ، تمام مائة وثلاثين سنة صحيحة حواسه ، ثابت فيها جنانه ، قوية فيها شهواته ، يمتع بحلال هذه الدنيا ، ويعيش ولا يفارقها ولا تفارقه ، فإذا حان حينه حان حينها وماتا جميعا معا فصارا إلى جناتي ، وكانا زوجين فيها ناعمين . ولو سألني - يا موسى - هذا الشقي القاتل بمثل ما توسل به هذا الفتى على صحة اعتقاده أن أعصمه من الحسد ، وأقنعه بما رزقته - وذلك هو الملك العظيم - لفعلت . ولو سألني بعد ذلك « 2 » مع التوبة عن صنيعه أن لا أفضحه لما فضحته « 3 » ، ولصرفت هؤلاء عن اقتراح إبانة القاتل ، ولأغنيت هذا الفتى من غير هذا الوجه بقدر هذا المال . ولو سألني بعد ما افتضح ، وتاب إلي ، وتوسل بمثل وسيلة هذا الفتى أن أنسي الناس فعله - بعد ما ألطف لأوليائه فيعفون عن القصاص - فعلت ، فكان لا يعيره أحد بفعله ، ولا يذكره فيهم ذاكر ، ولكن ذلك فضلي أوتيه من أشاء ، وأنا العدل الحكيم « 4 » . فلما ذبحوها قال الله تعالى : * ( فَذَبَحُوها وما كادُوا يَفْعَلُونَ ) * فأرادوا أن لا يفعلوا ذلك من عظم ثمن البقرة ، ولكن اللجاج حملهم على ذلك ، واتهامهم لموسى ( عليه السلام ) حدأهم « 5 » عليه » . قال : « فضجوا إلى موسى ( عليه السلام ) ، وقالوا : افتقرت القبيلة ودفعت « 6 » إلى التكفف « 7 » ، فانسلخنا بلجاجنا عن قليلنا وكثيرنا ، فادع الله لنا بسعة الرزق . فقال موسى ( عليه السلام ) : ويحكم ما أعمى قلوبكم ! أما سمعتم دعاء الفتى صاحب البقرة ، وما أورثه الله تعالى من الغنى ؟ أو ما سمعتم دعاء المقتول المنشور ، وما أثمر له من العمر الطويل والسعادة والتنعم « 8 » بحواسه وسائر

--> ( 1 ) في « س » : بمسألتي . ( 2 ) في المصدر : بذلك . ( 3 ) في « س » : أفضحته . ( 4 ) في المصدر : وأنا ذو الفضل العظيم ، وأعدل بالمنع على من أشاء ، وأنا العزيز الحكيم . ( 5 ) حدأت إليه : أي لجأت إليه . « الصحاح - حدأ - 1 : 43 » ، وفي « ط » : جرّهم . ( 6 ) في « س » و « ط » : رفعت . ( 7 ) تكفّف : مدّ كفّه يسأل النّاس . « الصحاح - كفف - 4 : 1423 » . ( 8 ) في المصدر زيادة : والتمتع .