مرتضى الزبيدي
70
تاج العروس
قال الفَرّاءِ : بُرَّحَجُّه ، فإذا قالوا : أبَرَّ اللهُ حَجَّكَ قالوه بالألف ، وفي الصحاح : وأبَرَّ اللهُ حَجَّكَ ، لغةٌ في بَرَّ اللهُ حَجَّكَ ، أي قَبِلَه . وقال شَمِرٌ : الحَجُّ المَبْرُورُ : الذي لا يُخالِطُه شيْءٌ من المآثِم . وفي حديث أبي هُرَيرةَ قال : قال رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم : " الحَجُّ المَبْرُورُ ليس له جزاءٌ ( 1 ) إلا الجَنَّةُ " . قال سُفْيانُ : تَفْسِيرُ المَبْرُورِ طِيبُ الكلامِ وإطعامُ الطَّعَامِ ، وقيل : هو المَقْبُولُ المُقَابَلُ بالبِرِّ ، وهو الثَّوَابُ . وقال أبو قِلابةَ لرجلٍ قَدِمَ من الحَج : بُرَّ العَمَلُ . أراد عَملَ الحَجِّ ، دَعا له أن يكونَ مَبْرُوراً لا مَأْثَمَ فيه ، فيستوجبُ ذلك الخُرُوجَ من الذنُوب التي اقْتَرَفها . ورُوِيَ عن جابرِ بنِ عبدِ اللهِ قال : " قالوا : يا رسولَ الله ، ما بِرُّ الحَجِّ ؟ قال : إطعامُ الطَّعَامِ وطِيبُ الكلامِ " . وفي البَصَائِرِ : ويُستَعْمَلُ الِبُّر في الصِّدْقِ لكَوْنِه بعضَ الخَيرِ ( 2 ) ، يقال : بَرَّ في قَولِه ، وفي يَمِينه ، ومنه حديثُ أبي بَكْرٍ : " لم يَخْرُجْ مِن إِلٍّ ولا بِرٍّ " . أي صِدْق . والبِرُّ : الطّاعةُ ، وبه فُسِّرت الآيةُ : ( أتأْمُرُونَ النّاسَ بالبِرِّ ) ( 3 ) ، وفي حديث الاعتكافِ : " أَلْبِرَّ تُرِدْنَ ؟ " ، أي الطّاعَةَ والعبادةَ ، ومنه الحديث : " ليس مِن البِرِّ الصِّيامُ في السَّفَر " . كالتَّبَرُّرِ ، يُقال : فلانٌ يَبَرُّ خالقَه ويَتَبَرَّرُه ، أي يُطِيعُه ، وهو مَجازٌ . واسمُه أي البِرُّ بَرَّةُ ، بالفَتْح ، اسمُ عَلَمٍ بمعنى البِرِّ ، مَعْرِفةٌ ، فلذلك لم يُصْرَف ، لأنّه اجتمعَ فيه التَّعْرِيفُ والتَّأْنيثُ ، وسيُذكَر في فَجَارِ ، قال النّابِغَة : إنَّا اقْتسَمْنَا خُطَّتَيْنَا بَينَنَا * فحَمَلْتُ بَرَّةَ واحْتَمَلْتَ فَجَارِ وفي الحديث في بِرِّ الوالِدَيْن : " وهو حَقِّهما وحَقِّ الأقْرَبِينَ مِن الأهْلِ " : ضِدُّ العُقُوقِ وهو الإساءَةُ إليهم والتَّضْيِيعُ لحَقِّهم ، كالمَبَرَّةِ . وبَرِرْتُه أي الوالِدَ ، وبَرَرْتُه أبَرُّه بِرّاً ، كعَلِمتُه وضَرَبْتُه ، أي أحسنتُ إليه ووَصَلْتُه . وعن ابن الأعرابيِّ : البِرُّ : سَوْقُ الغَنَمِ ، والهِرُّ : دُعَاؤُهَا ، قاله في المَثَل السَّائرِ ( 4 ) : " فلانٌ ما يَعْرِفُ هِراً مِنْ بِرٍّ " . وعَكَسَه يُونُسُ فقال : الهِرُّ : سَوْقُ الغَنَمِ ، والبِرُّ : دُعاؤُها . والبِرُّ : الفُؤادُ ، يقال : هو مُطْمَئِنُّ البِرُّ ، وأنشدَ ابنُ الأعرابيِّ لخِدَاش بنِ زُهَيْرٍ : يكونُ مَكانَ البِرِّ منِّي ودُونَه * وأجْعَلُ مالِي دُونَه وأُؤامِرُهْ والبِرُّ : وَلَدُ الثَّعْلِب ، نقلَه الصّاغانيُّ . وقال بعضُهم في معنى المثلِ السّابقِ : الهِرُّ : السِّنَّوْرُ ، والبِرُّ : الفَأْرَةُ في بعض اللُّغَاتِ . وقيل : هو الجُرَذُ ، أو دُوَيْبَّةٌ تُشْبِهُ الفَأْرَةَ . والبِرُّ بالفَتْح : من الأسْماءِ الحُسْنَى وهو العَطُوفُ على عِبادِهِ ببِرِّه ولُطْفِه ، قاله ابنُ الأثير . والبَرُّ : الصّادقُ . البَرُّ : الكَثِيرُ البِرِّ ، كالبارّ . وقال ابنُ الأثِيرِ : وإنما جاءَ في أسمائِه تعالَى البَرُّ ، دُونَ البارِّ ، قلتُ : وقد فَسَّرُوا قولَه تعالَى : ( ولكنَّ البِرَّ مَنْ آمَنَ باللهِ ) ( 5 ) وقالوا : أي البارّ . ج أبْرارٌ وَبَرَرَةٌ ، الأخِيرُ محرَّكَةَ ، رجلٌ بَرٌّ من قومٍ أبْرَارٍ ، وبارٌّ من قوم بَرَرةٍ . والأبرارُ كثيراً ما يُخَصُّ بالأوْلِيَاءِ والزُّهَّادِ والعُبّاد . وفي الحديث " الأئِمَّةُ من قُرَيْشٍ ، أبْرَارُهَا أُمَراءُ أبْرارِهَا ، وفُجَّارُها أُمَراءُ فُجّارِهَا " . قال ابنُ الأثِيرِ : هذا على جِهَة الإخبارِ عنهم لا على طَرِيقِ الحُكْمِ فيهم . وفي حديثٍ آخَر : " الماهِرُ بالقُرآنِ مع السَّفَرةِ الكِرَامِ البَرَرَةِ " . وفي البَصَائرِ : وخُصَّ المَلائِكَةُ بالبَرَرَةِ ( 6 ) ، من حيثُ إنه أبلغُ من الأبرار ، فإنّه جَمْعُ بَرٍّ ، والأبرارُ جمعُ بارٍّ ، وبَرٌّ أبلغُ من بارٍّ ، كما أن عَدْلاً أبلغُ من عادلٍ ( 7 ) .
--> ( 1 ) كذا بالأصل والتهذيب واللسان ، وفي النهاية : " ثواب " . ( 2 ) زيد في المفردات : المتوسع فيه . ( 3 ) سورة البقرة الآية 44 . ( 4 ) بهامش المطبوعة المصرية : " قوله : في المثل السائر ، كذا بخطه والأولى كما في اللسان أن يقول : ومن كلام العرب السائر لا يهام صنيعه نقل ما تقدم من الكتاب الملقب بالمثل السائر " . ( 5 ) سورة البقرة الآية 177 . ( 6 ) يشير إلى قوله تعالى في صفة الملائكة : " كرام بررة " . ( 7 ) انظر المفردات للراغب .