مرتضى الزبيدي
534
تاج العروس
وَصَرْعَى ، لأنه شُبّه بالنَوْكى والحَمْقَى والهَلْكَى ، لزوالِ عَقْلِ السَّكْرَان ، وأما النَّشْوَانُ فلا يُقَال في جَمْعِه غير النَّشاوَى . وقال الفرَّاءُ : لو قِيلَ : سَكْرَى ، على أن الجَمْعَ يقعُ عليهِ التَّأنِيثُ ، فيكون كالواحِدَةِ ، كان وَجْهاً ، وأنشد بعضُهم : أضْحَتْ بَنُو عامِرٍ غَضْبَى أُنُوفُهمُ * إني عَفَوْتُ فلا عارٌ ولا بَاسُ وقال ابنُ جِنِّي - في المُحْتَسبِ - : أما السَّكَارَى بفتح السين فتَكْسِيرٌ لا مَحَالَة ، وكأَنه مُنْحَرفٌ به عن سَكَارِينَ ، كما قالوا : نَدْمَانُ ونَدَامَى ، وكأَن أَصْلَه نَدَامِين ، كما قالوا في الاسم : حَوْمانة وحَوامِين ، ثم إِنَّهُم أبدَلُوا النون ياءً ، فصار في التَّقْدِيرِ سَكَارِىّ ، كما قالوا : إِنْسَانٌ وأَناسِي ، وأصلُها أَناسِينُ ، فأَبْدَلُوا النونَ ياءً ، وأَدْغَمُوا فيها ياءَ فَعاليل ، فلما صار سَكَارِى حذَفُوا إحدَى الياءَيْن تخفيفاً ، فصار سَكارِى ، ثم أبدلوا من الكسرةِ فَتْحَةً ، ومن الياءِ ألفاً ، فصار سَكَارَى ، كما قالوا في مدارٍ وصحارٍ ومعايٍ مدارا وصَحارَا ومَعايَا . قال : وأما سُكارَى بالضّم ، فظاهرُه أن يكون اسماً مُفْرَداً غير مُكَسَّرٍ ، كحُمَادَى وسُمانَى وسُلامَي ، وقد يجوزُ أن يكون مُكَسَّراً ، ومما جاءَ على فُعال ، كالظُّؤارِ والعُرَاقِ والرُّخالِ ، إلا أنَّه أُنِّثَ بالأَلفِ ، كما أُنِّثَ بالهاءِ في قولهم : النُّقاوةَ . قال أبو علي : هو جمع نَقْوَة ، وأُنِّث كما أُنِّثَ فِعالٌ ، في نحو حِجَارَة وذِكَارَةٍ وعِبَارَة ، قال : وأَما سُكْرَى ، بضمّ السين فاسمٌ مُفْرَدٌ على فُعْلَى ، كالحُبْلَى والبُشْرَى ، بهذا أفتانِى أَبو علي وقد سأَلْتُه عن هذا . انتهى . وقوله تعالى : ( لا تَقْرَبُوا الصّلاةَ وأَنْتُم سُكَارَى ) . قال ثعلب : إِنَّمَا قِيلَ هذا قَبْلَ أن يَنْزِل تَحْرِيمُ الخَمْرِ . وقال غيره : إِنَّمَا عَنَى هنا سُكْرَ النَّوْم ، يقول : لاتَقْرَبُوا الصَّلاةَ رَوْبَى . والسِّكَّيرُ ، كسِكِّيتٍ ، والمِسْكِيرُ ، كمِنْطِيقٍ ، والسَّكِرُ ، ككَتِف ، والسَّكُورُ ، كصَبُورٍ ، الأَخيرَةُ عن ابن الأَعرابي : الكَثيرُ السُكرِ . وقيل : رجلٌ سِكيرٌ ، مثل سِكيتٍ : دائمُ السكرِ ، وأنشدَ ابنُ الأَعرابِي : لعَمْرِو بنِ قَميئَةَ : يا رُبَّ من أَسْفَاهُ أَحْلامُه * أنْ قِيلَ يَوْماً إِنّ عَمْراً سَكُورْ . * وأنشدَ أبو عَمْرٍو له أيضاً : إن أكُ مِسْكِيراً فلا أَشرَبُ الوَغْ * لَ ولا يَسْلَمُ مني البَعِيرْ وجَمْعً السَّكرِ ، ككَتفٍ ، سُكَارى ، كجمْع سَكْرانَ ، لا عْتقابِ فعلِ وفَعْلانَ كثيراً على كلمة الواحدة . وفي تنزيل العزيز : ( تَتَّخِذُونَ منه سَكَراً ورِزْقاً حَسَناً ) ( 1 ) . قال الفراءُ : السَّكَرُ ، مُحَرَّكَةً : الخَمْرُ نفسُها قبل أن تُحَرَّم ، والرِّزْقُ الحَسَنُ : الزَّبِيبُ والتَّمرُ وما أشبَهَهُمَا ، وهو قولُ إبراهيمِ ، والشَّعْبِي وأبي رُزَيْن . وقولهم : شَربْتُ السكرَ : هو نبيذُ التَّمرِ ، وقال أبو عُبَيْد : هو نقَيعُ التمرِ الذي لم تَمسه النارُ ، ورُوِىَ عن ابن عُمَر ، أنه قال : السَّكَرُ من التَّمْر ، وقيل : السَّكرُ شرابٌ يُتَّخَذُ من التَّمْرِِ والكَشُوثِ والآسِ ، وهو مُحَرَّم ، كتَحْرِيمِ الخَمْر . وقال أبو حنيفة : السَّكَرُ يُتَّخَذُ من التمر والكَشُوثِ ، يُطْرَحَان سافاً سافاً ، ويُصبُّ عليه الماءُ ، قال : وزعم زاعمٌ أنه رُبَّما خُلِطَ به الآسُ فزادَهُ شِدةً . وقال الزَّمَخْشَرِي في الأساس : وهو أَمَرُّ شرابٍ في الدُنْيَا . ويقال : السَّكَرُ : كُل ما يُسْكِرُ ومنه قول رسول الله صلى الله عليه وسلم " حُرِّمَت الخَمْرُ بعَينِها والسَّكَرُ من كُلِّ شرابٍ " ، رواه أحمد ، كذا في البصائر للمُصَنف ، وقال ابنُ الأَثيرِ : هكذا رواه الأَثْباتُ ( 2 ) ، ومنهم من يرويه بضمّ السين وسكون الكاف ، يريدُ حالة السَّكْرَان ، فيجعلون التَّحْرِيم للسُّكرِ لا لنْفْس المُسْكرِ ، فيُبِيحُون قليله الذي لا يُسْكرُ ، والمشهور الأوّل . وروىَ عن ابن عباس في هذه الآية : السَّكرَ : ما حُرمَ من ثَمَرةٍ . قبلَ أنْ تُحَّرم ، وهو الخَمرُ ، والرِّزْقُ الحَسَن : ما أُحلَّ من ثَمَرةٍ ، من الأَعْنَابِ والتُّمُورِ ، هكذا أورده المصنف في البصائر . ونص الأَزهريّ في التهذيب عن ابن عباس :
--> ( 1 ) سورة النحل الآية 67 . ( 2 ) وفسر السكر : بالخمر المعتصر من العنب .