مرتضى الزبيدي
445
تاج العروس
وقوله تعالى : ( ولَذِكْرُ اللِه أكْبرُ ) ( 1 ) فيه وَجْهانِ : أحدُهما أنَّ ذِكْرَ الله تعالى إِذَا ذَكَرَه العَبْدُ خَيْرٌ للعَبْد من ذِكْر العَبْد للعَبْد . والوَجْهُ الآخَرُ أَن ذِكْرَ اللهِ يَنْهَي عن الفَحْشَاءِ والمُنْكَر ( 2 ) أَكْثَرَ مما تَنْهَى الصّلاة . وقال الفَرّاءُ في قوله تعالى : ( سَمِعْنَا فَتىً يَذْكُرهم ) ( 3 ) . وفي قوله تعالى : ( أهذَا الَّذِي يَذْكُر آلهِتَكَم ) ( 4 ) ، قال : يُرِيد يَعِيبُ آلِهتَكم . قال : وأَنت قَائِل لرَجُل : لئن ذَكْرَتِني لتَنْدَمَنَّ ، وأنْت تُرِيد : بسُوءٍ ، فيجوز ذلك . قال عنترة . لا تَذْكُرِي فَرَسِي وما أَطْعَمْتُه * فيَكون جِلْدُكِ مِثْلَ جِلْدِ الأجْرَبِ أَراد : لا تَعِيبِي مُهْرِي . فجعلَ الذِّكْر عَيْباً . قال أبو منصور : أنكَر أبُو الهَيْثَم ( 5 ) أَن يكون الذِّكْرُ عَيْباً ، وقال في قول عَنْتَرة أي لا تُولَعِى بِذكْره وذِكْرِ إِيثارِي إيّاه باللَّبَن دُونَ العِيَال ( 6 ) . وقال الزَّجَّاجُ نَحْواً من قول الفَرَّاءَ ، قال : ويُقَال : فلانٌ يَذْكُر النَّاسَ ، أَي يَغْتَابُهم ، ويَذْكُر عُيُوبَهم . وفلانٌ يَذْكُر اللهَ ، أَي يَصِفُه بالعَظَمَة ويثُنْىِ عليه ويُوَحِّده ، وإنما يُحذَف مع الذِّكْر ما عُقِلَ مَعْنَاه . وقال ابنُ دُرَيد : وأحسَب أَن بعضَ العَرَب يُسَمِّى السِّمَاكَ الرامِحَ : الذَّكَرَ . والحُصُنُ : ذُكُورَةُ الخَيْلِ وذِكَارَتُها . وسَيفٌ ذُو ذَكَرٍ ( 7 ) ، أَي صارِمٌ ، ورجُلٌ ذَكِيرٌ ، كأمِيرٍ : أنِفٌ أبِيٌّ . وفي حديث عائشة رضي الله عنها " ثم جَلَسوا عندَ المَذَاكرِ ( 9 ) حتَّى بَدَا حاجِبُ الشَّمس " المَذَاكِر : جمْع مَذْكَر ، مَوضع الذِّكْر ، كأنَّهَا أرادَت : عِنْد الرُّكْن الأسْوَدِ أو الحِجْر . وقوله تعالى : ( لم يَكُن شَيْئاً مَذْكُوراً ) ( 10 ) أَي مَوْجُوداً بذَاتِه وإن كان مُوْجُوداً فِي عِلْم الله . ورَجلٌ ذَكَّارٌ ، ككَتَّانٍ : كَثيرُ الذِّكْر لله تَعَالى . وسَمَّوا مَذْكُوراً . [ ذمر ] : الذّمرُ ككَبِدٍ وكِبْدٍ أَي بكَسْر فُسُكُون ، والذَّمِير ، مثل أَمِير ، والذِّمْرُّ ، مثل فِلِزٍّ : الرَّجُلُ الشُّجَاعُ جَمْع الكُلّ غيْرَ الأَخِير أذْمَارٌ ، وجَمْع الذِّمِرّ الذِّمِوُّرن ، والاسم الذَّمَارَةُ ، بالفتح ، وقيل : الذِّمِرُّ هو الشُّجَاع المُنْكَر ، وقيل : المُنْكَر الشَّدِيدُ ، وقيل : هو الظَّرِيفُ اللَّبِيبُ المِعْوانُ . والذِّمْر ، بالكَسْرِ : من أَسماءِ الدَّواهِي ، كالذُّماِئِر ، بالضَّمّ ، وهو الشَّدِيد المُنْكَر . والذَّمْرُ بالفَتْحِ : المَلامَةُ والحَضُّ معاً ، والتَّهَدُّد والغَضَب والتَّشْجِيع . وفي حديث عَلِيّ : " ألَا وإن الشيطانَ قد ذَمَر ( 11 ) حِزْبَه " أَي حَضَّهم وشَجَّعَهم . ذمَرَه يَذْمُرُه ذَمْراً : لامَه وحَضَّه وحَثَّه . وفي حَدِيث آخَرَ " وأمُّ أيْمَن تَذْمُر ( 12 ) وتَصْخَب " أَي تغضب . وفي حديثٍ آخَرَ : " جاءَ عُمَر ، ذامراً " ، أَي مُتَهَدِّداً . والذَّمْرُ : زَأْرُ الأسَدِ ، وقد ذَمَرَ ، إِذَا زَأَرَ . والذِّمَارُ ، بالكَسْر ، ذِمَارُ الرَّجُلِ ، وهو كُلُّ مَا يَلْزَمُك حِفْظُه وحِيَاطَتُه وحِمَايَتُه ، وإن ضَيَّعه لَزِمَه اللَّوْمُ . ويقال : الذِّمَار : ما وَرَاءَ الرَّجُلِ ممّا يَحِقُّ عليه أَن يَحْمِيَه ، لأنهم : قالوا : حَامِى الذِّمَارِ ، كما قالوا : حَامِي الحَقِيقَةِ . وسُمِّيَ ذِمَاراً لأنّه يَجِب على أهْله التَّذَمُّرُ له ، وسُمِّيَت حَقِيقَةً لأنَّه يَحِقُّ على أَهلِهَا الدّفْعُ عنها .
--> ( 1 ) سورة العنكبوت الآية 45 . ( 2 ) في التهذيب : أكبر . ( 3 ) سورة الأنبياء الآية 60 . ( 4 ) سورة الأنبياء الآية 36 . ( 5 ) عبارة التهذيب : وقد أنكر بعضهم أن يكون الذكر عيبا . وقال أبو الهيثم في قول عنترة . ( 6 ) التهذيب : على العيال . ( 7 ) في اللسان : ذو ذكرة . ( 8 ) عن اللسان ، وبالأصل " سيف " . ( 9 ) في النهاية : " ثم جلسوا عند المذكر حتى بدا حاجب الشمس " المذكر موضع الذكر . ( 10 ) الآية الأولى من سورة الإنسان . ( 11 ) ضبطت عن النهاية ، وفي اللسان بتشديد الميم . ( 12 ) في النهاية : ويروى تذمر بالتشديد .