مرتضى الزبيدي

396

تاج العروس

[ درر ] : الدَّرُّ ، بالفَتْح : النَّفْسُ . ودَفَع اللهُ عن دَرِّه ، أَي عن نَفْسه ، حكاه اللِّحيانيّ . والدَّرُّ : اللَّبَنُ ما كان . قال : طَوَى أُمَّهاتِ الدَّرِّ حتّى كأَنَّها * فَلاَفِلُ هِنْديٍّ فهُنَّ لُزُوقُ أُمَّهاتُ الدَّرِّ : الأَطْباءُ . وفي الحَدِيث : " أَنه نَهَى عن ذَبْح ذَواتِ الدَّرِّ " أَي ذوات اللَّبَن . ويجوز أَن يكون مصدر دَرَّ اللَّبنُ إِذَا جَرىَ . ومنه الحَدِيث : " لا يُحْبَس دَرُّكُم " ، أَي ذواتُ الدَّرِّ . أراد أَنها لا تُحشَر إلى المُصَدِّق ولا تُحْبَسُ عن المَرْعَى إلى أَن تَجْتَمِع الماشِيَةُ ثم تُعَدّ ، لِمَا في ذلك من الإِضرار بها . كالدِّرَّةِ ، بالكَسْرِ . والدِّرَّة أيضاً والدَّرُّ : كَثْرَتُه وسَيَلانُه . وفي حديث خُزَيمة " غَاضَتْ لها الدِّرّة " وهي اللَّبَن : إِذَا كَثُرَ وسال ، كالاسْتِدْرارِ يقال : استدَرَّ اللَّبَنُ والدَّمُع ونحُوهما : كَثُرَ . قال أبو ذُؤّيب : إذا نَهَضَتْ فيه تَصَعَّدَ نَفْرَهَا * كقِتْرِ الغِلَاءِ مُسْتِدُّر صِيَابُهَا استعار الدَّرّ لشِدَّةِ دَفْعِ السِّهَامِ . ودَرَّ اللَّبَنُ والدَّمْعُ يَدُرُّ ، بالضَّمّ ويَدِرُّ ، بالكَسْر ، دَرّاً ودُرُوراً ، وكذلك النَّاقَةُ إِذَا حُلِبَت فأَقبل منها على الحالِب شَيْءٌ كَثِيرٌ قيل : دَرَّتْ ، وإذا اجتمعَ في الضَّرْع من العُروق وسائر الجَسَدِ قيل : دَرَّ اللَّبَن . والاسمُ الدَّرَّةُ ، بالكَسْرِ وبالفَتْحْ أيضاً ، كما في اللَّسان ، وبهما جاءَ المَثَل : " لا آتِيكَ ما اخْتلفَت الدَّرَّة والجِرَّة " واختلافهما أَن الدِّرَّة تَسْفُلُ والجِرَّة تَعْلُو ، وقد تقدّم . وعن الأَعرابيِّ : الدَّرُّ : العَمَلُ من خَيرٍ أو شَرٍّ . ومنه قولهم : " للّه دَرُّهُ ، يكون مَدْحاً ، ويكون ذَمّاً ، كقولهم : قاتَلَه اللّهُ ما أَكْفَرَه ، وما أَشْعَره ، ومعناه أَي الله عَمَلُه ، يقال هذا لِمَن يُمْدَح ويُتَعَجَّب من عَمَلِه . وإذا ذُمَّ عَملُه قيل : لاَ درَّ دَرُّه ، أَي لازَكَا عَمَلُه ، وكُلُّ ذلك على المَثَلِ . وقيل : لِلّه دَرُّك مِن رَجُلٍ . معناه للِه خَيرُك وفعَالُك . وإذَا شَتَمُوا قالوا : لا دَرَّ دَرُّه ، أَي لا كَثُرَ خَيْرُه ، وقيل : لِلِه دَرُّك ، أَي للِه ما خَرَج منك من خَيْرٍ ، قال ابنٌ سِيدَه : وأصلُه أَن رَجُلاً رأى آخَرَ يَحلُبِ إبِلاً ، فتعَجَّب من كَثْرِة لَبَنِهَا ، فقال : لِله دَرُّك ، وقيل : أَراد لِلِه صالِحُ عَمَلكِ ، لأنَّ الدَّرَّ أَفضلُ ما يُحْتَلَب ، قال بعضهم : وأحسَبهم خَصُّوا اللَّبَن لأَنَّهُم كانُوا يَفْصِدُون النَّاقَةَ فيَشْربُون دَمَهَا ويفْتَظُّونهَا ( 1 ) فيشربون ماءَ كَرشِها ، فكان اللَّبَنُ أَفضلَ ما يَحْتَلِبُون . قال أَبو بكْرِ : وقال أَهلُ اللُّغَة في قَوْلهم : لِلّه دَرُّه ، الأَصْلُ فيه أَن الرَّجلَ إِذَا كَثُرَ خَيْرُهُ وعَطَاؤُه وإنَالَتُه النَّاسَ قيل : للِه دَرُّه ، أَي عَطَاؤُه وما يُؤْخَذُ منه ، فشَبَّهوا عَطَاءَه بدَرِّ النّاقَةِ ، ثمّ كَثُرَ اسِتعْمَالُهُم حَتَّى صارُوا يَقُولُونه لكلّ مُتعجَّب مِنْه . قلْت : فعُرِفَ ممّا ذَكرْنَاه كُلّه أَن تَفْسِير الدَّرِّ بالخَيْر والعَطَاءِ والإِنَالَة إنّمَا هو تفسيرٌ باللازم ، لا أنَّه شَرْحٌ له على الحَقِيقَة ، فإن الدَّرَّ في الأَصلِ هو اللَّبَن ، وإطلاقُه على ما ذُكِرَ تَجَوُّز ، وإِنما أُضِيف للِه تعالى إشارَةً إلى أنَه لا يَقِدر عليه غَيْرُه ، قال ابنُ أَحمر : بانَ الشَّبَابُ وأَفْنَى دَمْعَه العُمُرُ * لله دَرِّىَ أَي العَيْشِ أَنتَظِرُ ( 2 ) تَعجَّب من نَفْسه . قال الفَرّاءُ : وربما استَعْمَلُوه من غير أَن يقولوا : للِه ، فيَقُولون : دَرَّ دَرُّ فُلانٍ . وأَنشد للمُتَنَخِّل : لا دَرَّ دَرِّىَ أَن أَطْعَمْتُ نازِلَهمْ * قِرْفَ الحَتِىِّ وعنْدِي البُرُّ مَكْنوزُ ودَرَّ النَّبَاتُ دَرّاً : الْتَفَّ بعضُه مع بعض لكَثْرته ، ودَرَّت الناقَةُ بِلَبَنِها تَدُرّ وتَدِرّ بالضَّمّ ، والكَسْرِ ، الأَوّلُ على الشُّذُوذ

--> ( 1 ) يقال : افتظ الكرش : شقها . ( 2 ) بهامش المطبوعة المصرية : " قوله : وأفنى دمعه ، لعله محرف عن ريعه بمعنى أفضله وأحسنه وأوله كريعانه ، قال الشاعر : قد كان يلهيك ريعان الشباب فقد * ولى الشباب وهذا الشيب منتظر وقوله أي العيش هكذا بخطه والذي في اللسان فأي العيش فلعلها رواية أخرى اه‍ " ومثله بهامش اللسان . وقال بآخره : والصواب : وأفنى ضعفه . . .