مرتضى الزبيدي
349
تاج العروس
نَهَيْتُكَ عَنْ طِلاَبِكَ أُمَّ عَمْرٍو * بِعَافِيَةٍ وأَنْتَ إِذٍ صَحِيحُ أَراد : حينئذٍ ، كما تقول : يَوْمئذٍ . وتَكُونُ اسْماً للزَّمنِ الماضي ، وحينئِذٍ تكون ظَرْفاً غالِباً ، كقوله تعالى " فَقَدْ نَصَرَهُ اللهُ إِذْ أَخْرَجَه " ( 1 ) تكون مَفْعُولاً به ، كقوله تعالى " وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلاً " ( 2 ) ، وتكون بَدَلاً من المفعول ، كقوله تعالى " وَاذْكُرْ فِي الكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَاناً شَرْقِيًّا " ( 3 ) قالوا إِذْ بَدَلُ اشتمالٍ مِن مَريمَ مُفعول اذْكُر . تكون مُضَافاً إِليها اسمُ زمانٍ صالِحٌ للاسْتِغناءِ عنه مثل قولهم يَوْمَئذٍ ولَيْلَتَئذٍ أَو اسم زمان غيرُ صالحٍ للاستغناءِ عنه ، كقوله تعالى " بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا " ( 4 ) وتكون اسْماً للزَّمنِ المُسْتَقْبَلِ كقوله تعالى " يَوْمَئذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا " ( 5 ) . وفي التهذيب : العربُ تَضَع إِذْ للمستقبل ، وإِذَا للماضي ، قال تعالى " ولَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا " ( 6 ) معناه إِذا يَفْزَعُونَ يومَ القيامةِ ، قال الفَرَّاءُ : إِنما جازَ ذلك لأَنّه كالوَاجِب ، إِذ كان لا يُشَكُّ في مَجِيئه ، والوجه فيه إِذا كقوله تعالى " إِذا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ " ( 7 ) تكون للتَّعْلِيل كقوله تعالى " ولَنْ يَنْفَعَكُمُ اليَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ ، أَنَّكُمْ فِي العَذَابِ مُشْتَرِكُونَ " ( 8 ) وقال ابنُ جِنِّي : طاوَلْتُ أَبا عَلِيٍّ رحمه الله في هذا وراجَعْتُهُ عَوْداً على بَدْءٍ ، فكانَ أَكْثَرَ ما بَرَدَ مِنْه في اليَدِ أَنَّه لما كانت الدارُ الآخِرَةُ تَلِي الدارَ الدُّنْيَا لا فَاصلَ بَيْنَهُمَا ، إِنما هي هذه فهذه ، صار ما يَقَعُ في الآخِرة كأَنَّه واقِعق في الدُّنْيَا ، فلذلك أُجْرِيَ اليَوْمُ وهو لِلآخِرَةِ مُجْرَى وَقْتِ الظُّلْمِ ، وهو قوله " إِذْ طَلَمْتُمْ " ووَقْتُ الظُّلْمِ إِنما كانَ في الدُّنْيا ، فإِن لم تَفْعَل هذا وتَرْتَكِبْه بَقِيَ " إِذْ ظَلَمْتُمْ " غَيْرَ مُتَعَلِّق بشيْءٍ ، فيَصير ما قَالَهُ أَبو عَلِيٍّ إِلى أَنَّه كأَنَّه أَبْدَل إِذْ ظَلَمْتُم من اليوم " أَو كرره عليه ، كذا في اللسان . قد تكون للمُفَاجَأَةِ ، وهي الوَاقِعَةُ بعدَبَيْنَا وبَيْنَمَا كقول ، الشاعر : اسْتَقْدِرِ اللهَ خَيْراً وَارْضَيَنَّ بهِ * فَبَيْنَمَا العُسْرُ إِذْ دَارَتْ مَيَاسِيرُ ( 9 ) وهو من قصيدة أَوَّلُهَا : يَا قَلْبُ إِنَّك مِنْ أَسْمَاءَ مَغْرُورٌ فَذْكُرْ وهَلْ يَنْفَعَنْكَ اليَوْمَ تَذْكِيرُ وتفصيل مباحث إِذ مَبسوطٌ في مُغْنى اللبيبِ ( 10 ) وشُرُوحه ، فراجِعْها . وهَلْ هُوَ ، أَي لفظ إِذ ظَرْفُ زَمَانٍ ، كما ذهبَ إِليه المبرد ، أَو ظرف مَكَانٍ ، كما ذهبَ إِليه الزَّجَّاجُ واختاره أَبو حَيَّان ، أَو حَرْفٌ بمعنى المُفَاجَأَةِ ، كما ذهب إِليه ابنُ مُؤَكِّدٌ ، أَي زائِدق ، كما ذهب إِليه ابنُ يَعيش ومالَ إِليه الرَّضِيّ ، أَقْوَالٌ أَرْبعةٌ مَبْسُوطة بأَدِلَّتِهَا في المُطَوَّلاتِ ، فراجِعْهَا . وفي البصائرِ واللسانِ : وهو من حثروفِ الجَزَاءِ إِلاّ أَنه لا يُجَازَى به إِلاَّ مَعَ مَا تقول : إِذْمَا تَأْتِني آتِكَ ، كما تقول : إِنْ تَأْتِنِي وَقْتاً آتِكَ . قال العبَّاسُ بنُ مِرْداسٍ يَمدَح النّبيَّ صلى اللهُ عَليه وسلَّمَ : يَا خَيْرَ مَنْ رَكِبَ المَطِيَّ وَمنْ مَشَى * فَوْقَ التُّرَابِ إِذَا تُعَدُّ الأَنْفُسُ بِكَ أَسْلَمَ الطَّاغُوتُ وَاتُّبِعَ الهُدَى * وَبِكَ انْجَلَى عَنَّا الظَّلاَمُ الحِنْدِسُ إِذْ مَا أَتَيْتَ عَلَى الرَّسُولِ فَقُلْ لَه * حَقًّا عَلَيْكَ إِذَا اطْمَأَنَّ المَجْلِسُ وفي المحكم : إِذ ظرْفٌ لِما مَضَى مِن الزمانِ ، تقول إِذْ كَانَ كَذَا ، وقوله عزَّ وجلّ " وإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خليفةً " ( 11 ) قال أَبو عبيدة : إِذْ هنا زائدةٌ ،
--> ( 1 ) سورة التوبة الآية 40 . ( 2 ) سورة الأعراف الآية 87 . ( 3 ) سورة مريم الآية 16 . ( 4 ) سورة آل عمران الآية 8 . ( 5 ) سورة الزلزلة الآية 4 . ( 6 ) سورة سبأ الآية 51 . ( 7 ) سورة الانشقاق الآية 1 . ( 8 ) سورة الزخرف الآية 39 . ( 9 ) البيت في كتاب سيبويه 2 / 158 وهو من قصيدة لها قصة انظر عيون الأخبار 2 / 305 وينسب لحريث بن جبلة ونويفع بن لقيط الفقعسي وعتير بن لبيد العذري . ( 10 ) انظر مغني اللبيب طبعة بيروت - دار الفكر ، ص 111 وما بعدها . ( 11 ) سورة البقرة الآية 30 . قال ابن هشام في مغني اللبيب : وبعض المعربين يقول في ذلك إنه ظرف ل " اذكر " محذوفا وهذا وهم فاحش ، لاقتضائه حينئذ الأمر بالذكر في ذلك الوقت ، مع أن الأمر للاستقبال ، وذلك الوقت مضى قبل تعلق الخطاب بالمكلفين منا . وإنما المراد ذكر الوقت نفسه لا الذكر فيه .