مرتضى الزبيدي
230
تاج العروس
معنى هذه الآية ، إِلاّ أَنّ اللغة قد أَجازَت : لم يَكَدْ يَفْعَل وقد فعَل بَعْدَ شِدَّة ، وليس هذا صِحَّةَ الكلامِ ، لأَنه إِذا قال : كادَ يَفْعَل ، فإِنما يعنِي قارَبَ الفِعْل ، وإِذا قال ، لم يَكد يَفْعَل ، يقول : لم يُقَارِب الفِعْلَ ، إِلاَّ أَن اللُّغَة جاءَت على ما فُسِّرَ ( 1 ) . وقال الفَرَّاءُ : كُلَّمَا أَخْرَجَ يَدَه لمْ يَكد يَرَاهَا مِن شِدَّة الظُّلمَةِ ، لأَن أَقَلَّ مِن هذه الظُّلمةِ لا تُرَى اليَدُ فيه ، وأَما لم يَكَد يَقُوم ، فقَدْ قَام ، هذا أَكْثَر اللُّغَة . وقد يكون كاد بمعنى أَرادَ ، ومنه قوله تَعالى " كذلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ " ( 2 ) وقوله تعالى : " أَكَادُ أُخْفِيهَا " ( 3 ) أَي أَردنا ، وأُرِيدُ وأَنشد أَبو بَكْرٍ للأَفْوَه : فِإِنْ تَجَمَّعَ أَوْتَادٌ وأَعْمِدَةٌ * وسَاكِنٌ بَلَغُوا الأَمْرَ الذي كَادُوا أَراد : الّذي أَرادوا ، وأَنشد الأَخفشُ : كَادَتْ وكِدْتُ وتِلْكَ خَيْرُ إِِرَادَةٍ * لَوْ كَانَ مِنْ الصَّبَابَةِ مَا مَضَى قال : معناه أَرادَتْ وأَردْت ، وقال الأَخفش في تفسير الآية : مَعناه : أُخْفِيهَا . وفي تَذكرةِ أَبي عَلِيٍّ أَن بعضَ أَهلِ التأْوِيل قالوا : " أَكادُ أُخفيها مَعْنَاه : أُظهِرُها ، قال شَيْخُنَا : والأَكثر على بقائها على أَصْلِها ، كما في البحْر والنَّهْرِ وإِعرَابِ أَبي البقاءِ والسَّفاقِسيّ ، فلا حاجةَ إِلى الخُروج عن الظاهر ، والله أَعلمِ ، قال السيوطيّ : وعكسه كقوله . تعالى : " يُرِيدُ أَنْ يَنْقُضَّ " ( 4 ) أَي يكاد قلت : وفي اللسان : قال بعضهم في قوله تعالى : " أَكاد أُخْفِيهَا : أُريد أُخفيها ، فكما جاز أَن تُوضَع أُريد مَوْضِعَ أَكاد في قوله " جِدَاراً يُرِيد أَنْ يَنْقَضَّ " فكذلك أَكادُ ، فتأَمَّلْ . وقال ابنُ العَوَّام ( 5 ) : كاد زَيْد أَن يَمُوتَ . وأَن لا تَدخل مَع كادَ ولا مع ما تَصرّف مِنها ، قال الله تعالى " وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي " ( 7 ) وكذلك جميع ما في القُرآن ، قال : وقد يَدْخِلون عليها أَنْ ، تَشْبِيهاً بِعَسَى ، قال رؤبة : * قَدْ كَادَ مِنْ طُولِ البِلَى أَنْ يَمْصَحَا * ومن ذلك قولهم : عَرَفَ فلان ما يُكَادُ مِنْه ، أَي ما يُرَادُ ، وفي حديث عَمْرِو بن العاصِ : مَا قَوْلُك في عُقُولٍ كَادَهَا خَلِقُها وفي رواية تِلْكَ عُقولٌ كادَهَا بَارِئُها أَي أَرادَها بِسُوءٍ . وقال الليث : الكَوْدُ مصْدر كادَ يَكُود كَوْداً ومَكَاداً ، ومَكَادَةً ، تقول لِمَن يَطلُب إِليك شيئاً ولا تُريد أَن تُعْطِيَه تقول : لا ولاَ مَهَمَّةَ ولا مَكادَةَ . ولا كَوْداً ولا هَمًّا ، ولا مَكَاداً ولا مَهَمَّا ، أَي لا أَهُمُّ ولا أَكادُ . ويَكُودُ على صِيغة المضارع : عن الصاغانيّ ، ولم أَجده في معجم ياقوتٍ ، مع استيعابه . وهو يَكُودُ بِنفْسِه كَوْداً ، عن الصاغانيّ ، لُغَة في تَكِيد كَيْداً ، أَي يَجُود بها ويسوق ، وذكره غالبُ اللغويين في الياءِ ، وسيأْتي . وأَكْوَأَدَّ الفَرْخُ والشَّيْخُ : شَاخَ وارْتَعَشَ ، كاكْوَهَدَّ . والكَوْدَةُ : ( 8 ) كلّ ما جَمَعْتَ من تُرَابٍ وطعام ونَحْوِه وجَعَلْتَه كُثَباً ، أَكْوَادٌ . وكَوَّدَه أَي الترابَ : جَمَعَه جعَله كُثْبَةً واحِدةً ، يمانية . وكُوَادٌ وكُوَيْدٌ ، كغُرَابٍ وزُبَيْرٍ : اسمانِ .
--> ( 1 ) زيد في التهذيب : وليس هو على صحة الكلمة . ( 2 ) سورة يوسف الآية 76 . ( 3 ) سورة طه الآية 15 . ( 4 ) سورة الكهف الآية 77 . ( 5 ) كذا بالأصل واللسان ، وفي التهذيب : وقالت العوام . ( 6 ) بهامش التهذيب قال محققه : " هذا ادعاء الأصمعي وأشياعه والمأثور عن العرب نظما ونثرا ينقضه ويفنده ، وقد تعرض الحريري لهذا ، ورد عليه الخفاجي في شرح درة الغواص ص 133 بقوله : قال أفصح الفصحاء ص : " كاد الفقر أن يكون كفرا " و " كاد الحسد أن يغلب القدر " وهذا معروف في كلام العرب كقول ذي الرمة : وجدت فؤادي كاد أن يستخفه * خليع الهوى من أجل ما يتذكر الخ . ومنه قول العجاج : لقد كاد من طول البلى أن يمحصا ومن أمثالهم : " كاد العروس أن يكون ملكا " . ( 7 ) سورة الأعراف الآية 150 . ( 8 ) اللسان : والكود .