مرتضى الزبيدي
130
تاج العروس
كُفْرُ أَبي طالِبٍ مُعَانَدَةً ، لأنه عرفَ الحقَّ وأَقَرَّ وأَنِفَ أن يقالَ : تَبِع ابنَ أَخِيه ، فصارَ بذلك كافراً ( 1 ) . وأَعْنَدَ في قَيْئهِ ، إذا أَتْبَعَ بَعضَهُ بَعْضاً ، وذلك إذا غَلَب عليه ، وكثُرَ خُرُوجُه ، وهو مَجاز ، ويقال : استعْنَدَه القَيءُ أَيضاً كما سيأَتي . والعانِدُ : البَعِيرُ الذي يَحُورُ ( 2 ) عن الطَّريق ، ويَعْدلُ عن القصْدِ . وناقَةٌ عَنُودٌ : لا تُخَالطُ الإِبِلَ ، تَبَاعَدُ عَنْهُنَّ فتَرْعَى نَاحِيَةً أَبداً ، والجمع : عُنُدٌ ، وناقة عانِدٌ وعانِدَةٌ ، وج أَي جَمْعُهَا جَميعاً عَوَانِدُ ، وعُنَّدٌ كرُكْع قال : إذا رَحَلْتُ فاجْعَلُوني وَسَطَاً * إِني كَبِيرٌ لا أُطيقُ العُنَّدَا جمع بين الطَّاءِ والدَّالِ ، وهو إِكفاءٌ . وفي حديث عمر يذكر سيرته ، يصف نفْسَه بالسياسةِ ، فقال : إِني أَنْهَرُ ( 3 ) الَّفُوتَ وأَضُمُّ العَنُودَ ، وأُلحِقُ القَطُوفَ ، وأَزْجُر العَرْوضَ . قال ابنُ الأَثير : العَنُود من الإِبلِ : الذي لا يُخالطُهَا ولا يَزالُ منفرداً عنها ، وأَرادَ من خَرجَ عن الجماعة أَعَدْتُه إليها ، وعَطَفْتُه عَلَيْها . وقال ابنُ الأَعْرابيِّ وأَبو نصْرٍ : هي التي تكون في طائفَةِ الإِبل ، أَي في ناحِيَتِها . وقال القَيسِيُّ : العَنُود من الإِبل : التي تُعاندُ الإِبلَ فتُعارِضُها . قال : فإذا قادَتْهُنَّ قُدُماً أَمامَهُنَّ فتلك السًّلُوفُ . وفي المحكم : العَنُودُ من الدواب : المتقدمةُ في السيرِ ، وكذلك هي من حُمُرِ الوَحْشِ ، وناقةٌ عَنُودٌ : تَنْكُبُ ( 4 ) الطَّرِيقَ من نَشَاطِها وقُوَّتِها . والجمع : عُنُدٌ وعُنَّدٌ ، قال ابن سيده : وعِنْدِي أن عُنَّدَا ليَ جمع عَنُودِ ، لأنَّ فَعُولاً لا يُكَسَّر على فُعَّلٍ ، وإنما هي جمع عاندٍ . وإِيَّاه تَبِعَ ( 5 ) المصنف ، على عادِته . والمُعَانَدَةُ : المُفارَقَةُ والمُجَانَبَةُ ، وقد عَانَدَه ، إذا جَانَبَه ، وهو من عَنَدَ الرَّجُلُ أَصحابَه يَعنُد عُنُوداً ، إذا ما تَرَكهم واجْتازَ عليهم وعنَدَ عَنْهُم ، إذا ما تَرَكَهُم في سَفَرٍ ، وأَخذَ في غيرِ طَرِيقهم ، أَو تَخَلَّف عنهم . قال ابن شُمَيْلٍ ، والعُنُود كأَنَّه الخِلافُ والتَّبَاعُدُ والتَّرْكُ ، لو رأَيْتُ رَجُلاً بالبَصْرةِ من الحِجَازِ ( 6 ) لقُلْتُ : شَدَّ ما عَنَدْتَ عن قَومِكَ ، أَي تَبَاعدْت عنهم ، والمُعانَدَةُ : المُعارَضَةُ بالخلافِ لا بالوِفاقِ ، وهذا الذي يَعْرِفُه العَوَام . وفي التهذيب : عانَدَ فلانٌ فلاناً : فَعَلَ مِثْلَ فِعْله ، يقال : فلانٌ يُعانِدُ فلاناً ، أَي يَفْعَل مِثْلَ فِعْله ، وهو يُعارِضه ويُبَارِيه ، وقال : والعامَّة يُفَسِّرُونَه : يُعَانِدُه : يَفْعَلُ خِلاَفَ فِعْلِه . قالك ولا أَعْرِفُ ذلك ولا أُثْبِتُه . كالعِنَادِ . وفي اللِّسَانِ : وقد يكونُ العِنَادُ مُعارَضةً لغيرِ الخِلافِ ، كما قال الأَصمعيُّ ، واستَخْرَجَهُ من عنَد الحُبَارَى ، وجَعَلَه اسماً من عانَدَ الحُبارَى فَرْخَه ، إذا عارَضَهُ في الطَّيرانِ أَوَّلَ ما يَنْهَضُ ، كأَنَّه يُعَلِّمُه الطَّيرانَ ، شَفَقَةً عليه . وعانَدَ البَعِيرُ خِطَامَه : عارَضَهُ ، مُعَانَدَةً وعِنَاداً . والمُعانَدَةُ في الشيءِ : الملازَمَةُ فهو ضِدٌّ مع معنى المفارَقَةِ ، ولم يُنَبِّهْ عليه المصنِّف . وعنْدَ مُثَلَّثَةَ الأولِ ، صَرَّحَ به جماهِيرُ أَهلِ اللغة ، وفي المغني : وبالكسر أَكثر ، وفي المصباح : هي اللُّغَةُ الفُصْحَى . وفي التسهيل : ورُبَّما فُتِحَت عينُهَا أَو ضُمَّت . ومعناها حُضُورُ الشيءِ ودُنُوُّه ، وهي ظَرْفٌ في المكانِ والزَّمانِ بِحَسبِ ما تُضافُ إليه ، فإن أُضِيفَتْ إلى المَكَانِ كانت ظَرْفَ مكانٍ : ، كعِنْدَ البَيْتِ ، وعندَ الدَّارِ ونحْوِه ، وإِن أُضِيفَتْ إلى الزَّمانِ فكذلكَ ، نحو : عِنْدَ الصُّبْح ، وعِنْدَ الفَجْرِ ، وعِنْدَ الغُرُوبِ ، ونحو ذلك غَيْرُ مُتَمَكِّنٍ ، ومثلُه في الصحاح . وفي اصطلاح النُّحاة : غيرُ مُتَصَرِّف ، أَي لازِمٌ للظَّرْفِيَّةِ ، لا يَخْرُج عنها أَصْلاً . ويَدْخُلُهُ من حُروفِ الجَرِّ من وَحْدَها ، كما أَدخلوها على لَدُن ، قال تعالى : " رَحْمَةً من عِنْدِنا " ( 7 ) وقال تعالى : " من لدُنَّا " ( 8 ) . قال شيخُنا : وجَرُّه بِمِنْ من قَبِيلِ الظَّرْفِيَّةِ ، فلا يُرَدُّ ، كما
--> ( 1 ) بهامش المطبوعة الكويتية " في إيمان أبي طالب خلاف بين السنة والشيعة " . ( 2 ) في الصحاح واللسان : يجور . ( 3 ) في التهذيب : أنهز اللفوت . ونهزه : دفعه وضربه كنكزه ووكزه . ( 4 ) قوله تنكب الطريق ، في القاموس : " نكب عنه كنصر وفرح نكبا ونكبا ونكوبا : عدل كنكب وتنكب " عن هامش اللسان . ( 5 ) بالأصل " نبع " تحريف . ( 6 ) التهذيب واللسان : من أهل الحجاز . ( 7 ) سورة الكهف الآية 65 . ( 8 ) سورة الكهف الآية 65 وسورة النساء الآية 67 وسورة مريم الآية 13 .