مرتضى الزبيدي
77
تاج العروس
إِلى أَنه معرَّفٌ بالإِضافَة المقدَّرةِ ، كأَنّه قيل : سُبْحَانَ من علقمةَ الفاخِرِ ، نُصِبَ سُبْحَانَ على المَصْدَر ، ولُزومُها النَّصْبَ من أَجلِ قِلَّةِ التَّمَكُّن ، وحُذِفَ التنوينُ منها لأَنها وُضِعت عَلَماً للكلمة فجَرَت في المَنع من الصَّرف مَجْرَى عُثْمَانَ ونَحْوِه . وقال الرّضيّ : سبحانَ هنا للتّعجُّب ، والأَصلُ فيه أَنْ يُسبَّحَ اللهُ عند رُؤْيَةِ العَجيب مَن صَنائِعه ، ثم كَثُرَ حتّى استُعْمَلَ في كلّ متعجَّب منه . يقول : العَجَبُ منه إِذ يَفْخَر . ويقال : " أَنتَ أَعلَمُ بما في سُبْحانِك " بالضّمّ ، " أَي في نَفْسِك " " وسُبْحَانُ بنُ أَحمَدَ : من وَلَدِ " هارُونَ " الرَّشيدِ " العَبّاسيّ . وَسَبَحَ كمَنَع سُبْحاناً " كشَكَر شُكْرَاناً ، وهو لُغةٌ ذَكَرها ابنُ سيده وغيرُه . قال شيخُنا فلا اعتدادَ بقول ابن يُعيشَ وغيرِه من شُرَّاحِ المُفصَّل وقول الكَرْمانيّ في العَجائب : إِنه أُمِيتَ الفِعْلُ منه . وحكَى ثعلب : " سَبَّحَ تَسْبِيحاً ( 2 ) " وسُبْحَاناً . وسَبَّحَ الرَّجُلُ : " قال : سُبْحانَ الله " وفي التَّهذيب : سبَّحْت اللهَ تسبيحاً وسُبْحَاناً : بمعنىً واحدٍ ، فالمصدرُ تَسبيحٌ ، والاسْمُ سُبْحَان ، يقوم مَقَام المَصدر . ونقلَ شيخُنَا عن بعضهم وُرُود التَّسْبيح بمعنَى التَّنْزيه أَيضاً : سَبَّحَه تَسْبيحاً ، إِذا نَزَّهَه . ولم يَذْكُره المصنّف . وسُبُّوح قُدُّوسٌ " ، بالضَّمّ فيهما " ويُفْتَحان " ، عن كُراع : " من صِفاتِه تعالى ، لأَنه يُسَبَّحُ ويُقَدَّسُ " ، كذا في المحكم . وقال أَبو إِسحاق : السُّبُّوحُ : الّذِي يُنَزَّهُ عن كُلّ سُوءٍ ، والقُدّوسُ : المُبَارَكُ الطاهِرُ ( 3 ) . قال اللِّحْيَانيّ : المُجْمَع عليه فيها ( 4 ) الضمّ . قال : فإِنْ فَتحتَه فجائزٌ . وقال ثَعْلَب . كلُّ اسمٍ على فعُّول فهو مَفْتُوحُ الأَوّلِ إِلاّ السُّبُّوحَ والقُدُّوسَ ، فإِنّ الضّمّ فيهما أَكثرُ ، وكذلك الذُّرُّوحُ ؛ كذا في الصّحاح . وقال الشيخ أَبو حَيّان في ارْتِشَاف الضَّرَب نقلاً عن سيبويه : ليس في الكلام فُعُّول صِفَةً غير سُبُّوح وقُدُّوس . وأَثبتَ فيه بعضُهُم ذُرُّوحاً ، فيكون اسماً . ومثله قال القَزّازُ في جامِعه . قال شيخنا : ولكنْ حكَى الفِهْريّ عن اللِّحيانيّ في نوادره أَنه يقال : دِرْهَم سَتُّوقٌ وسُتُّوقٌ . وشَبُّوطٌ وشُبُّوطٌ ، لضَرْب من الحُوتِ ، وفَرُّوجٌ وفُرُّوجٌ ، لواحدِ الفَرَارِيج . وحَكَوْا أَيضاً اللُّغَتَيْن في سَفُّود وكَلُّوب . انتهَى . وقال الأَزهريّ : وسائر الأَسماءِ تَجيءُ على فعّول ، مثل سُفُّود وقفّور ، وقيّور ( 5 ) ، وما أَشْبَهها ، والفَتْحُ فيها أَقْيَس ، والضَّمّ أَكْثَرُ استعمالاً . ويقال : " السُّبُحَات ، بضمّتينِ مَواضِعُ السُّجودِ . وسُبُحاتُ وَجْه الله " تعالى : " أَنْوَارُه " وجُلالُه وعَظَمَتُه . وقال جبريلُ عليه السلامُ " إِنّ لِلهِ دُونَ العَرْشِ سَبْعِينَ حِجَاباً ، لو دَنَوْنَا من أَحدهَا لأَحْرَقَتْنَا سُبُحَاتُ وَجْهِ ربِّنَا " رواه صاحبُ العَيْن . قال ابن شُميل : سُبُحاتُ وَجْهِه : نُورُ وَجْهِه . وقيل : سُبُحاتُ الوَجْهِ : مُحاسنُه ، لأَنّك إِذا رأَيتَ الحَسَنَ الوَجْهِ قلتَ : سبحانَ اللهِ . وقيل : معناه : تَنْزيهاً له ، أَي سُبحانَ وَجْهِهِ . والسُّبْحَة " بالضّمّ : " خَرَزَاتٌ " تُنْظَمْنَ في خَيْط " للتَّسْبيح ، تُعَدّ " ، وقال الفارابيّ ، وتَبِعَه الجوهريّ : السُّبْحَةُ : الّتي يُسَبَّحُ بها . وقال شيخنا : إِنها ليستْ من اللُّغَة في شَيْءٍ ، ولا تَعرِفها العرب ، وإِنما أُحدِثَتْ في الصَّدْرِ الأَوّل إِعانةً على الذِّكْر وتَذكيراً وتَنشيطاً . والسُّبْحَة : " الدُّعَاءُ ، وصَلاةُ التَّطوُّعِ " ، والنّافِلة : يقال : فَرَغَ فلانٌ من سُبْحَتِه ، أَي من صَلاَةِ ( 6 ) النَّافلة ، سُمِّيَت الصلاةُ تَسْبيحاً لأَنّ التّسبيح تَعظيمُ اللهِ وتَنْزيهُه من كُلّ سُوءٍ . وفي الحديث : " اجْعلُوا صَلاتَكم معهم سُبْحَةً " : أَي نافِلةً . وفي آخَرَ : " كنّا إِذا نَزَلْنَا مَنْزِلاً لا نُسبِّح حتَّى نَحُلَّ الرِّحَالَ " ، أَراد صلاةَ الضُّحَى ، يعني ( 7 ) أَنّهم كانوا مع
--> ( 1 ) وفي المفردات : قيل تقديره سبحان علقمة على طريق التهكم فزاد فيه " من " ردا إلى أصله ، وقيل أراد سبحان الله من أجل علقمة فحذف المضاف إليه . ( 2 ) في المطبوعة الكويتية : " تسبيحا " تحريف . ( 3 ) بهامش المطبوعة المصرية : " قوله الطاهر ، الذي في اللسان : وقيل : الطاهر " ومثله في التهذيب . ( 4 ) في اللسان : المجتمع عليه فيها الضم . ( 5 ) بالأصل " وقبور " وبهامش المطبوعة المصرية : " قوله : وقفور هو وعاء طلع النخل ، وقوله : قبور كذا في النسخ وهو تصحيف والصواب : قيور بالياء . ففي المجد : والقيور كتنور : الخامل النسب " وفي التهذيب واللسان : قبور بالباء الموحدة . ( 6 ) اللسان : صلاته . ( 7 ) الأصل والنهاية ، وفي اللسان : بمعنى .