مرتضى الزبيدي

361

تاج العروس

والأَبْعَدُّ ، مُشدَّدَ الآخِر في قول الشاعر : مَدّاً بأَعناقِ المَطِيِّ مَدّاً * حتَّى تُوافِي المَوْسمَ الأَبعَدّاَ فلضرورة الشِّعر . والبُعَداءُ : الأَجانبُ الّذِين لا قَرَابَةَ بينهم ، قاله ابن الأَثير ( 1 ) . وقال النضْر في قولهم : هَلَكَ الأَبعَدُ قال : يعنِي صاحِبَه ، وهكذا يقال إِذا كَنَى عن اسمه . ويقال للمرأَة : هَلَكَتِ البُعْدى . قال الأَزهريّ : هذا مثْل قولهم : فلا مَرْحباً بالآخَر ، إِذا كَنَى عن صاحبه وهو يَذُمُّه . ويقال : أَبَعَدَ اللّه الأَخَرَ قلْت : الأَخَر ( 2 ) ، هكذا في نُسخ الّصحاح ، وعليها علامة الصِّحّة ، فليُنظر . قال : ولا يقال للأُنثى منه شيْءٌ . وقولهم : كَبَّ اللّهُ الأَبعَدَ لفِيهِ ، أَي أَلقاه لوَجْهه . والأَبعَدُ : الحائنُ : هكذا في الصّحاح بالمهملة ( 3 ) . وفُلانٌ يَسْتَخْرِج الحَديثَ من أَباعدِ أَطْرافِه . وأَبْعَدَ في السَّوْم : شَطَّ . وتَبَاعَدَ منّي ، وابتَعَد ، وتَبَعَّدَ . وفي الحديث أَنّ رجلاً جَاءَ فقالَ : إِنّ الأَبعَدَ قد زَنَى ، معناه المتباعِد عن الخَير والعِصْمة . وجَلَسْتُ بَعِيدةً منك وبعِيداً منك ، يَعنِي مَكاناً بعيداً . ورُبما قالُوا : هي بَعيدٌ منك ، أَي مكانُها . وأَمَّا بعيدةُ العهدِ فبالهَاءِ . وذو البُعْدةِ : الّذي يُبْعِد في المُعادَاة . وأَنشد ابنُ الأَعرابيّ لرؤبةَ : يَكْفِيك عندَ الشِّدّة اليَبيسَا * ويَعتلِي ذا البُعْدَةِ النّحوسا قال أَبو حاتم : وقالوا قَبْلُ وبَعْدُ مِن الأَضداد . وقال في قوله عزّ وجلّ : " والأَرْضَ بَعْدَ ذلك دَحَاهَا " ( 4 ) أَي قَبْلَ ذلك . ونقلَ شيخُنا عن ابن خالَويه في كتاب ليس ما نصُّه : ليس في القرآن بعْد بمعنى قبْل إِلاّ حَرْفٌ واحِد " ولَقَدْ كَتَبْنَا في الزَّبورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْر " ( 5 ) . وقال مُغُلْطَاي في المَيْس على ليس : قد وَجَدْنَا حَرْفاً آخَرَ ، وهو " والأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحَاهَا " قال أَبو موسى في كتاب المغيث : معناه هنا قَبْل ، لأَنّه تعالى خَلَقَ الأَرضَ في يومين ثم استوَى إِلى السماءِ . فعلى هذا خلق الأرض قبل السماء ونقَله السُّيوطيّ في الإِتقان ، كذا نقله شيخنا . قلْت : وقد رَدَّه الأَزهريّ فقال : والّذي قاله أَبو حاتم عمَّن قاله خَطأٌ ، قَبْل وبعْد كلُّ واحد منهما نَقيضُ صاحِبه ، فلا يَكونُ أَحدُهما بمعنَى الآخَرِ ، وهو كَلامٌ فاسدٌ وأَمَّا ما زَعَمه من التناقض الظاهرِ في الآيات فالجواب أَنَّ الدَّحْوَ غَيرُ الخلْق ، وإِنَّما هو البَسْط ، والخَلْقُ هو الإِنشاءُ الأَوّل ، فاللّه عزَّ وجلّ خَلَق الأَرضَ أَوَّلاً غير مَدْحُوَّة ، ثم خَلقَ السماءَ ، ثم دحَا الأَرضَ ، أَي بَسَطَها . قال : والآيات فيها ، متفقة ولا تناقض بحمد الله تعالى فيها عندَ مَن يَفهمها ، وإِنّمَا أُتِيَ الملحِدُ الطَّاعنُ فيما شاكلَها من الآيات من جِهَةِ غبَاوَته وغلِظَ فَهْمِه وقِلّة عِلْمِه بكلام العرب . كذا في اللسان . قال شيخنا : وجعلَها بعض المُعْرِبين بمعنَى مع ، كما مرَّ عن المصباح ( 6 ) ، أَي مع ذلك دَحَاها . وقال القاليُّ في أَماليه ، في قول المضرِّب بن كعْب : فقُلْتُ لها فِييءِ إِليْكِ فإِنّني * حَرَامٌ وإِنِّي بعدَ ذاكِ لَبيبُ أَي مع ذاكِ . ولَبيب : مُقيم . وقد يُرَادُ بها الآنَ في قول بعضِهم : كما قَدْ دَعَاني في ابنِ مَنصورَ قَبْلَهَا * وماتَ فمَا حانَتْ مَنِيَّتَه بَعْدُ أَي الآنَ . وأَبعَدَ فلانٌ في الأَرض ، إِذا أَمْعَنَ فيها . وفي حديث قتْل ( 1 ) بهامش المطبوعة المصرية : " قوله قاله ابن الأثير ، أي في حديث مهاجري الحبشة : وجئنا إلى أرض البعداء " . ( 2 ) في الصحاح المطبوع : الأخر . ( 3 ) في الصحاح المطبوع : الخائن بالخاء المعجمة . ( 4 ) سورة النازعات الآية 30 . ( 5 ) سورة الأنبياء الآية 105 . ( 6 ) يشير إلى ما ورى المصباح : وتأتي بمعنى مع كقوله تعالى " عتل بعد ذلك " اي مع ذلك .