مرتضى الزبيدي

238

تاج العروس

الرَّجلِ ، وقد نافَحَه إِذا كافَحَه وخَاصَمَه كنَاضَحَه . وقد تقدّم . وفي الحديثِ أَن جِبريلَ مَعَ حَسَّانَ ما نافَحَ عنِّي ، أَي دَافَع . والمُنَافَحَة والمُكافحة : المُدافعةُ والمُضارَبَة ، وهو مَجاز . يريد بمنافحتِه هِجَاءَ المشركين ومُجَاوَبَتَهُم على أَشعارِهم . وفي حديث عليٍّ رضي اللّه عنه في صِفِّينَ نافِحُوا بالظُّبا ، أَي قاتِلُوا بالسُّيوف . وأَصْله أَن يَقرُب أَحَدُ المقاتلين من الآخَر بحَيث يَصِلُ نَفْحُ كلِّ واحدٍ منهما إِلى صاحِبه ، وهي ريحُه ونَفَسُه . والإِنفَحَة ، بكسر الهمزة ، وهو الأَكثرُ كما في الصّحاح والفصيح ، وصرَّحَ به ابن السِّكِّيت في إِصلاح المنْطق فقال : ولا تَقُلْ أَنْفحَة ، بفتح الهمزة . قال شيخُنَا : وهذَا الّذي أَنكروه قد حكَاه ابنُ التّيّانيّ وصاحبُ العَين . وقد تُشدّد الحاءُ . في هامش الصّحاح منقولاً من خطّ أَبي زكريّا : وهو أَعلَى . وفي المصباح : هو أَكثرُ . وقال ابن السِّكيت : هي اللُّغَة الجيدَة . وقد تُكسَر الفاءُ ولكنّ الفتح أَخفُّ ، كما في اللسان . والمِنْفَحَة ، بالميم بدل الهمزة ، والبِنْفَحَة ، بالموحَّدة بدلاً عن الميم ، حكاهما ابنُ الأَعْرَابيّ والقَزَّازُ وجماعة . قال ابن السِّكِّيت : وحَضَرَني أَعرابيّان فصيحانِ من بني كِلاَب ، فقال أَحدُهما : لا أَقولُ إِلاّ إِنفحَة ، وقال الآخَرُ : لا أَقولُ إِلاّ مِنْفَحَة . ثمّ افتَرقَا على أَن يَسأَلاَ عنهما أَشياخَ بني كِلاَب ، فاتَّفقت جَماعَةٌ على قولِ ذا وجماعةٌ على قولِ ذا ، فهما لغتانِ قال الأَزهريّ عن الليث : الإِنْفَحَة لا تكون إِلاّ لذِي كَرِشٍ ، وهو شْيءٌ يُستخرَج من بطْنِ الجَدْيِ الرَّضيعِ أَصفرُ ، فيُعصَر في صُوفةٍ مُبتَلَّة في اللَّبن فيَغْلُظُ كالجُبْن . والجمْع أَنافِحُ ، قال الشَّمَّاخُ : وإِنَّا لمن قَومٍ علَى أَنْ ذَمَمْتِهمْ * إِذا أَوْلَموا لم يُولِمُوا بالأَنافحِ فإِذا أَكلَ الجَدْيُ فهُوَ كَرِشٌ . وهذِه الجملةُ الأَخيرة نقلها الجوهَرِيّ عن أَبِي زيد . وقال ابن دُرُستويه في شرْح الفصيح : هي آلةٌ تَخْرُج من بَطْنِ الجَدْي فيها لَبَنٌ مُنْعَقِدٌ يُسمَّى اللِّبَأَ ، ويُغيَّر به اللّبنُ الحليبُ فيَصير جُبْناً . وقال أَبو الهَيثم : الجَفْر من أَولادِ الضَّأْن والمعز : ما قد استكرَشَ وفُطم بعدَ خمسينَ يوماً من الولادة أَو شهرينِ ، أَي صارَتْ إِنَفحَتُه كَرِشاً حين رَعَى النَّبْتَ . وإِنّمَا تكون إِنفَحةً مَا دَامَتْ تَرْضَع . وتفسير الجوهريّ الإِنفحةَ بالكَرِشِ سَهْوٌ . قال شيخُنا نَقلاً عن بعضِ الأَفاضِل : ويَتعيَّن أَنّ مُرادَه بالإِنفحة أَوَّلاً ما في الكَرِش ، وعبَّر بها عنه مجازاً لعلاقةِ المُجاورةِ . قلت : وهو مَبنيٌّ على أَنَّ بينهما فَرْقاً ، كما يُفيده كلامُ ابن دُرُسْتوَيْه . والظاهر أَنه لا فَرْقَ . وقال في شرْح نظْم الفصيح : الجوهريّ لم يُفسِّر الإِنفحةَ بمُطْلَق الكَرِشَ حتّى يُنْسَبَ إِلى السَّهو ، بل قال : هو كَرِشُ الحَمَلِ أَو الجَدْي ما لم يَأْكُل ، فكأَنّه يقول : الإِنفحة : المَوْضِعُ الّذي يُسَمَّى كَرِشاً بعد الأَكلِ ، فعبارتُه عند تحقيقها هب نفْسُ ما أَفاده المجْد . ونَسِبَتُه إِيّاه إِلى السّهو بمثلِ هذا من التَّبَجُّحَاتِ ، ثم قال : وقوله بعدُ : فإِذا أَكلَ فهي كَرِشٌ ، صريحٌ في أَنّ مُسَمَّى الإِنفَحة هو الكَرِش قَبْل الأَكل ، كما لا يَخفَى ، كالسَّجْل والكأْس والمائدة ، ونحوِهَا من الأَسماءِ التي تَختلف أَسماؤُهَا باختِلاَفِ أَحوالِها . والأَنَافِحُ كلُّهَا لا سيَّما الأَرنبُ من خواصِّها إِذا عُلِّقَ منها على إِبهامِ المحموم شُفِيَ ، مجرَّب ، وذكَرَه داوودُ في تذكِرته ، والدَّمِيرِيّ في حَياةِ الحيوان . ويقال : نِيَّةٌ نَفَحٌ ، محرّكَةً ، أَي بَعيدةٌ . والنَّفِيح ، كأَمِير ، والنِّفِّيح كَسِكِّين ، الأَخيرة عن كُراع ، والمِنْفَحُ ، كمنْبرٍ : الرّجُلُ المِعَنّ ، بكسْر الميم وفتْح العَين المهملة وتشديد النون ، وهو الدّاخل على القوم ، وفي التَهذيب : مع القَوْم وليس شأْنُه شأْنَهم . وقال ابنُ الأَعرابيّ : النَّفِيح : الذي يَجيءُ أَجْنبياً فيَدخل بَين القَوْم ويُسْمِل ( 2 ) بينهم ويُصلِح أَمرَهم . قال الأَزهَرِيّ : هكذا جاءَ عَن ابن الأَعْرَابِي في هذا المَوضعِ ، النّفِيح بالحاءِ . وقال في موضعٍ آخَر : النَّفيج - بالجيم - : الذي يَعترض بيَن القَومِ لا يُصلِح ولا يُفْسِد . قال : هذا قَول ثعلب . وانتفحَ به : اعْترَضَ له . وانتَفَحَ إِلى مَوضِعِ كذا : انقَلَبَ .

--> ( 1 ) في إحدى نسخ القاموس : " الراضع " وعبارة التهذيب : " من بطن ذيه أصفر " وقوله ذيه أي صاحبه . ( 2 ) في التهذيب : ويسل .