مرتضى الزبيدي

137

تاج العروس

ومنها : الحُزْنُ والخَوْفُ المُكَدِّرُ للحَياة ، كقولهِ تعالى : " ويَأْتيه المَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَما هُوَ بِمَيِّتٍ " ( 1 ) . ومنها : المَنامُ ، كقولِه تَعالى : " والَّتِي لمْ تَمُتْ فِي مَنامِها " ( 2 ) وقد قِيل : المنامُ : المَوْتُ الخَفيفُ ، والمَوْتُ : النَّومُ الثَّقِيلُ . وقد يُسْتَعارُ الموت للأَحوالِ الشَّاقّةِ ، كالفَقْرِ ، والذُّلِّ ، والسُّؤالِ ، والهرم ، والمَعْصِيَةِ وغيرِ ذلك ، ومنه الحديث : " أَوَّلُ من ماتَ إِبْلِيسُ ؛ لأَنّه أَوّلُ من عَصَى " وفي حَدِيثِ مُوسى عليه السلام ، " قِيلَ له : إِنَّ هامَانَ قد مَاتَ ، فلَقِيَه فسَأَلَ ربَّه ، فقالَ له : أَما تَعْلَمُ أَنَّ من أَفْقَرْتُه فقَدْ أَمتُّه ؟ : " وقَولُ عُمرَ رضي الله عنه في الحديث : " اللَّبَنُ لا يمُوت " أَرادَ أَنَّ الصَّبِيَّ إِذا رَضِعَ ( 3 ) امْرأَةً مَيّتةً حرُمَ عليه من وَلدِها وقَرابَتِها ما يَحْرُمُ عليهِ منهم لو كانت حيَّةً وقد رَضِعَها ، وقيل : معناه : إِذا فُصِل اللَّبَنُ من الثَّدْي وأُسْقِيَه الصَّبِيُّ فإِنه يَحْرُم به ما يَحْرُم بالرَّضاع ، ولا يَبْطُل عملُه بمفَارقَة الثَّدْي ، فإِنّ كلَّ ما انْفَصَل من الحَيِّ ميِّتٌ إِلا اللَّبَنَ والشَّعَرَ والصُّوفَ ، لِضَرُورةِ الاستِعْمالِ . انتهى . " أَو المَيْتُ ، مُخَفَّفَةً : الذي ماتَ " بالفِعْل . " والمَيِّتُ " ، مشدّدة ، " والمَائِتُ " ، على فاعل : " الذي لم يَمُتْ بَعْدُ " ، ولكنه بصَدَدِ أَن يَمُوت . قال الخليلُ : أَنشَدني أَبو عمرو : أَيا سَائِلي تَفْسِيرَ مَيْتٍ ومَيِّتٍ * فَدُونك قد فَسَّرْتُ إِن كُنْتَ تَعْقِلُ فمَنْ كان ذَا رُوحٍ فذلك مَيِّتٌ * وما المَيْتُ إِلاّ مَن إِلى القَبْرِ يُحْمَلُ وحكى الجوهريّ عن الفرّاءِ : يُقال لِمَنْ لم يَمُتْ : إِنّه مائِتٌ عن قليلٍ ، ومَيِّتٌ ، ولا يَقُولون لمن مات : هذا مَائِتٌ . قيل : وهذا خَطَأٌ ، وإِنما مَيِّتٌ يَصْلُح لما قَدْ ماتَ ولما سَيَمُوت ، قال الله تعالى : " إِنَّكَ مَيِّتٌ وإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ " ( 4 ) . قلتُ : ومن هُنا أَخَذَ صاحبُ القَامُوس ما جَعَله تَحْقِيقاً ، وقد تَحامَل عليه شيخُنا في شَرْحه . وجَمَع بين اللُّغَتَين عِدىُّ بنُ الرَّعْلاءِ فقال ( 5 ) : لَيْسَ من ماتَ فاسْتراحَ بِمَيْت * إِنّما المَيْتُ ميِّتُ الأَحْيَاءِ إِنَّما المَيْتُ من يَعِيشُ شَقِيّاً * كاسِفاً بالُه قليلَ الرَّجاءِ فأُنَاسٌ يُمَصَّصُون ثِماداً * وأُناسٌ حُلُوقُهم في الماءِ ( 5 ) فجعلَ المَيْتَ كالمَيِّتِ . وفي التَّهْذِيب : قال أَهلُ التَّصْرِيف : مَيِّتٌ كأَنَّ تَصْحِيحَه مَيْوِتٌ على فَيْعِل ، ثم أَدْغَمُوا ( 6 ) الواوَ في الياءِ ، قال : فَرُدَّ علَيْهِم ، وقِيل : إِنْ كان كما قُلْتُم فيَنْبَغِي أَن يكونَ مَيِّتٌ على فَعِّل ( 7 ) ، فقالوا : قد عَلمنا أَنَّ قياسَه هذا ، ولكِنّا تَركْنا فيه القياسَ مَخافَةَ الاشتباهِ ، فردَدْناه إلى لَفْظِ فَعِل ( 8 ) ؛ لأَنّ ميِّت على لَفْظِ فعِل ( 8 ) . وقال آخرون : إِنّما كان في الأَصْل مَويِت مثل سيِّدٍ وسَوْيِدٍ ( 9 ) ، فأَدْغَمْنا الياءَ في الواو ، ونَقَلْناه ( 10 ) ، فقُلْنا : مَيِّت [ ثم خفف ، فقيل : ميت ] ( 11 ) . وقال بعضهم : قيل : مَيْتٌ ولم يَقُولوا : مَيِّتْ ؛ لأَنَّ أَبنيةَ ذَواتِ العِلَّة تُخالِفُ أَبنيةَ السَّالِم . وقال الزجّاج : المَيْتُ ( 12 ) : المَيِّتُ ، بالتّشديد ، إِلا أَنَّه يُخَفَّف ، يقال : مَيْتٌ ومَيِّتٌ ، والمعنى واحد ، ويَستَوِى فيه المذكَّرُ والمُؤَنَّث ، قال تعالى : " لنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً " ( 13 ) ولم يَقُل مَيْتَةً ، انتهى .

--> ( 1 ) سورة إبراهيم الآية 17 . ( 2 ) سورة الزمر الآية 42 . ( 3 ) عن النهاية واللسان ، وبالأصل " ارضع " . ( 4 ) سورة الزمر الآية 30 . ( 5 ) في التهذيب : وقال الشاعر في تصديق أن الميت والميت واحد . ( 6 ) بهامش المطبوعة المصرية : " قوله ثم أدغموا ، وقوله الآتي فأدغمنا الخ ، فيه أن الذي يدغم هو الحرف الأول في الثاني ، وبالجملة فتحرر عبارته إلى آخرها " . ( 7 ) الأصل واللسان ، وفي التهذيب : يكون ميت على فيعل . ( 8 ) الأصل والتهذيب ، وفي اللسان : " إلى لفظ فيعل . . . فيعل " . ( 9 ) الأصل واللسان ، وفي التهذيب : سيد سيود . ( 10 ) الأصل واللسان ، وفي التهذيب : وثقلناه . ( 11 ) زيادة عن التهذيب ، ولم ترد في اللسان . ( 12 ) في التهذيب : الميت أصله الميت . ( 13 ) سورة الفرقان الآية 49 .