مرتضى الزبيدي
182
تاج العروس
يكون لفعلٍ متعدٍّ فيشِذّ فيه من وجْهَيْنِ ، لأنَّه متعدٍّ ، ولعدم دلالته على الحركة ، قال شيخنا : فإن قيل إنَّ في الغضبِ غَليانَ القلبِ واضطرابه فلذا ورد مصدره كما نقله الخفاجيُّ وسُلِّم . قلت : لا مُلازمة بين البُغْضِ والغَضَب ، إذْ قد يُبْغِض الإنسان شخصاً وينطَوِي على شَنَآنِه من غير غضبٍ ، كما لا يخفى ، انتهى . وفي التهذيب : الشَّنَآنُ مصدرٌ على فَعَلانٍ كالنَّزَوانِ والضَّرَبانِ . وقرأَ عاصمٌ شَنْآن بإسكان النون ، وهذا يكون اسماً ، كأَنَّه قال : ولا يَجْرِمَنَّكُمْ بَغيضُ قومٍ ، قال أَبو بكر : وقد أَنكر هذا رجلٌ من البصرة يُعرف بأَبي حاتم السِّجستانيِّ ، معه تَعَدٍّ شديدٌ وإقدامٌ على الطَّعْنِ في السَّلَف ، قال فحكَيْتُ ذلك لأحمدَ بن يحيى فقال : هذا من ضِيقِ عَطَنه وقلَّة معرِفتِه ، أمَا سمعَ قول ذو الرُّمَّة : فأُقْسِمُ لا أَدْري أَجَوْلانُ عَبْرَةٍ * تَجودُ بها العَيْنَانِ أَحْرَى أَمِ الصَّبْرُ قال : قلت له : هذا وإن كانَ مصدراً فيه الواو ، فقال : قد قالت العرب : وَشْكَانَ ذا ( 1 ) ، فهذا مصدر وقد أَسْكَنه ، وحكى سَلَمة عن الفرَّاء : من قرأَ شَنَآنُ قومٍ ، فمعناه بُغْضُ قومٍ ، شَنِئْتُه شَنَآناً وشَنْآناً ، وقيل قولُه شَنَآنُ قوم ، لي بغضاؤُهُم ، ومن قرأَ شَنْآنُ قومٍ ، فهو الاسمُ ، لا يَحْمِلَنَّكم بُغْضُ قومٍ ( 2 ) . وقال شيخنا في شرح نظم الفصيح ، بعد نقلِه عبارة الجوهريّ : والتسكين شاذٌّ في اللفظ ، لأنَّه لم يجيءْ شيءٌ من المصادر عليه ، قلت : ولا يَرِد لَوَاهُ بدَيْنِهِ لَيَّاناً بالفتح في لغة ، لأنَّه بمفرده لا تُنْتَقص به الكُلِّيَّات المُطَّرِدة ، وقد قالوا لم يجيءْ من المصادر على فَعْلان بالفتح إِلاَّ لَيَّان وشَنْآن ، لا ثالث لهما ، وإن ذكر المصنف في زاد زَيْداناً فإنَّه غير معروف : أَبغضه به فسَّره الجوهريّ والفيّوُميُّ وابن القوطيَّة وابنُ القَطَّاع وابن سِيده وابنُ فارس وغيرُهم وقال بعضهم : اشتدَّ بُغْضُه إيَّاه ورجلٌ شَنانِيَةٌ كعَلانيةٍ وفي نسخة شَنائِيَة بالياء التحتية بدل النون ، وشَنْآن كسكْران وهي أَي الأُنثى شَنْآنة بالهاء وشَنْأَى كسكَرى ، ثمَّ وجدْت في أُخرى عن الليث : رجلٌ شَنَاءةٌ وشَنَائِيَة بوزن فَعَالة وفَعَالِيَة أَي مُبْغِض سَيِّئُ الخلق . والمَشْنوء كمقروء : المُبَغَّض كذا هو مُقيَّد عندنا بالتشديد في غير ما نُسخ ( 3 ) ، وضبطه شيخنا كمُكْرَم من أَبْغَض الرباعيِّ ، لأنَّ الثلاثيّ لا يُستعمل متعدِّياً ولو كانَ جَميلاً كذا في نسختنا ، وفي الصحاح والتهذيب ولسان العرب : وإن كانَ جميلاً وقد شُنِئَ الرجل بالضَّمِّ فهو مَشْنوءٌ . والمَشْنَأُ كمَقْعَدٍ : القَبيحُ الوجه وقال ابن بَرِّيّ : ذكر أَبو عُبَيد أَنَّ المَشْنَأَ ، مثل المَشْنَع : القَبيحُ المنظرِ وإن كانَ مُحَبَّباً ، قال شيخنا : الواقع في التهذيب والصحاح : وإن كانَ جَميلاً ، قلت : إِنَّما عبارتهما تلك في المَشْنوءِ لا هنا يَستوي فيه الواحدُ ( 4 ) والجمع والذَّكر والأُنثى قاله الليث أَو المَشْنَأُ وكذا المِشْنَاءُ كمِحرابٍ ، على قولِ عليّ بن حمزة الأَصبهانيّ ، الذي يُبْغِض الناسَ . والمِشْناءُ كمِحرابٍ من يُبْغِضه الناسُ عن أَبِي عبيدٍ ، قال شيخنا نقلاً عن الجوهريّ : هو مثل المَشْنَإِ السابق ، فهو مثله في المعنى ، فإفراده على هذا الوجه تطويل بغير فائدةٍ . قلت : وإن تأَمَّلْت في عبارة المُؤَلِّف حقَّ التَّأَمُّلِ وجدتَ ما قاله شيخنا ممَّا لا يُعَرَّجُ عليه ، ولو قيل : من يُكثِرُ ما يُبْغَضُ لأَجلِه لحَسُنَ قال أَبو عُبَيد لأنَّ مِشْناءً ( 5 ) من صِيَغِ الفاعل ، وقوله الذي يُبْغِضه ( 6 ) في قوَّة المفعول ، حتَّى كأنَّه قال المِشْناءُ المُبْغَض ، وصيغة المفعول لا يُعبَّرُ بها ( 7 ) عن صيغة الفاعل ، فأَمَّا رَوْضَةٌ مِحْلالٌ فمعناه أَنَّها تُحِلُّ النَّاسَ أَو تَحُلُّ بهم ، أَي تجعلهم يَحُلُّون ، وليست في معنى مَحْلولةٍ ، وفي حديث أُمِّ مَعْبَدٍ : لا تَشْنَؤُهُ من طُولٍ ، قال ابن الأَثير كذا جاءَ في روايةٍ ، أَي لا يُبْغَضُ لفَرْطِ طولِه . ورُوِي : لا يَتَشَنَّى ، أُبدل من الهمزة ياءٌ يقال شَنِئْتُه أَشْنَؤُهُ شَنْأً وشَنَآناً ، ومنه حديث عليّ رضي الله تعالى عنه : ومُبْغِضٌ يحمِله شَنَآني على أَن يَبْهَتَني ، وفي التنزيل " إِنَّ شانِئَكَ هو الأَبْتَر " ( 8 ) أَي مُبْغِضُك وعدُوُّك ، قاله الفَرَّاء ، وقال أَبو عمرو : الشانئ : المُبْغِض ، والشَّنْءُ والشُّنْءُ بالكسر
--> ( 1 ) زيد في اللسان : إهالة وحقنا . ( 2 ) اللسان : بغيض قوم . ( 3 ) في القاموس واللسان " المبغض " . ( 4 ) زيد في اللسان : والمثنى . ( 5 ) في القاموس " لأن مفعالا " وأثبتنا ما وافق اللسان . ( 6 ) كذا بالأصل : وفي اللسان : يبغضه الناس . ( 7 ) كذا . ويناسب السياق قولنا : لا يعبر عنها بصيغة الفاعل . ( 8 ) سورة الكوثر الآية 3 .