السيد علي الحسيني الميلاني
70
تشييد المراجعات وتفنيد المكابرات
ولو كان الحسن والقبح في ما ذكرناه شرعيّين ، لَما حكم بهما منكروا الشرائع كالزنادقة والدهرية ; فإنّهم مع إنكارهم الأديان يحكمون بحسن العدل والإحسان ، ويرتّبون عليهما ثناءهم وثوابهم ، ولا يرتابون في قبح الظلم والعدوان ، ولا في ترتيب الدمّ والقصاص على فعلهما ، ومستندهم في هذا إنّما هو العقل لا غير . فدع عنك قول مَن يكابر العقل والوجدان ، وينكر ما علمه العقلاء كافّة ، ويحكم بخلاف ما تحكم به فطرته التي فطر عليها ; فإنّ اللّه سبحانه فطر عباده على إدراك بعض الحقائق بعقولهم ، كما فطرهم على الإدراك بحواسّهم ومشاعرهم . ففطرتهم توجب أن يدركوا بعقولهم حسن العدل ونحوه ، وقبح الظلم ونحوه ، كما يدركون بأذواقهم حلاوة العسل ومرارة العلقم ، ويدركون بمشامهم طيب المسك ونتن الجيف ، ويدركون بملامسهم لين اللين وخشونة الخشن ، ويميّزون بأبصارهم بين المنظرين : الحسن والقبيح ، وبأسماعهم بين الصوتين : صوت المزامير وصوت الحمير . . تلك ( فطرة اللّه التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق اللّه ذلك الدين القيّم ولكنّ أكثر الناس لا يعلمون ) ( 1 ) . وقد أراد الأشاعرة أن يبالغوا في الإيمان بالشرع والاستسلام لحكمه ، فأنكروا حكم العقل ، وقالوا : لا حكم إلاّ للشرع ; ذهولاً منهم عن القاعدة العقليّة المطّردة - وهي : كلّ ما حكم به العقل حكم به الشرع - ولم يلتفتوا إلى أنّهم قطعوا
--> ( 1 ) سورة الروم 30 : 30 .